ذِكْرُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَقَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ
روايات وأحاديث من كتاب مسند عمر بن الخطاب
ذِكْرُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَقَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَلَا الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نَسَاءً ، وَلَا يَجُوزُ افْتِرَاقُ مُتَبَايِعَيْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ
شروح الحديث المتاحة:
ذِكْرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّرْفِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَإِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِلْمُتَصَارِفَيْنِ أَنْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا عَنِ الْمَجْلِسِ الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ مِنْهُمَا مَا تَصَارَفَاهُ ، إِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَسَاءً ، فَبَيِّنٌ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ جَائِزٍ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَسَاءً ، كَمِثْلِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ افْتِرَاقُ مُتَبَايِعِهِمَا إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ ، وَذَلِكَ كَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرِ بِالْبُرِّ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالْبُرِّ بِالتَّمْرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالتَّمْرِ بِالزَّبِيبِ ، وَالزَّبِيبِ بِالْأَرْزِ ، وَالْأَرْزِ بِالْأَرْزِ ، وَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ نَسَاءً ، لَا يَجُوزُ لِمُتَبَايِعَيْهِمَا إِذَا تَبَايَعَا أَحَدَهُمَا بِصَاحِبِهِ أَنْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ . فَإِنِ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا ذَلِكَ فِيهِ بِأَبْدَانِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا ، بَطُلَ الْبَيْعُ الَّذِي كَانَا تَعَاقَدَا فِي ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ إِنْ وَكَّلَ الْمُشْتَرِي وَكِيلًا يَقْبِضُ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ بِإِعْطَاءِ مَا بَاعَ ، وَافْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا بِأَبْدَانِهِمَا قَبْلَ تَقَابُضِهِمَا أَوْ تَقَابُضِ وَكِيلِهِمَا انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ مَبِيعًا نَسَاءً وَخِلَافَ مَا أَذِنَ بِبَيْعِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَاءَ هَاءَ ، وَافْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا وَبَيْنَهُمَا اللَّبْسُ الَّذِي نَهَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ . وَكَذَلِكَ إِنْ أَحَالَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ آخَرَ ، كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ ، ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَشْرَكَ فِيهِ أَحَدُهُمَا شَرِيكًا ثُمَّ فَارَقَ صَاحِبَهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ ، فَقَبَضَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِكُ فِيهِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمُشْتَرِكِ صَاحِبَهُ . وَبَيِّنٌ أَيْضًا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي انْتِقَاضِ الصَّرْفِ بَيْنَ الْمُصْطَرِفَيْنِ افْتِرَاقُهُمَا عَنِ الْمَجْلِسِ الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ قَبْلَ تَقَابُضِهِمَا مَا تَصَارَفَاهُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّهُمَا إِذَا تَقَابَضَا بَعْضًا وَأَخَّرَا بَعْضًا ، ثُمَّ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا بِأَبْدَانِهِمَا قَبْلَ تَقَابُضِهِمَا مَا أَخَّرَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ فِيمَا تَقَابَضَاهُ مَاضٍ جَائِزٌ وَفِيمَا لَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى افْتَرَقَا بِأَبْدَانِهِمَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا مُنْتَقِضٌ ، غَيْرَ أَنَّ لِمَنْ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُمَا جَمِيعَ مَا كَانَ صَارَفَ عَلَيْهِ صَاحِبَهُ حَتَّى فَارَقَهُ بِبُدْنِهِ الْخِيَارَ فِيمَا قَبَضَ مِنْهُ ، بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنِهِ راضيَا بِمِلْكِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَعْطَاهُ مِنْ سِلْعَتِهِ ثَمَنًا لِمَا ابْتَاعَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ جَمِيعَ مَا ابْتَاعَهُ مِنْهُ . وَفِي ذَلِكَ عَلَيْهِ نَقْضٌ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ السِّلْعَةِ يَشْتَرِيَهَا عَلَى السَّلَامَةِ فَيَجِدُ بِهَا عَيْبًا ، ثُمَّ لَمْ يَتَبَرَّأْ إِلَيْهِ مِنْهُ صَاحِبُهُ ، فَيَكُونُ لَهُ الرَّدُّ إِنْ شَاءَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَالرِّضَا بِالْإِمْسَاكِ إِنْ شَاءَ . وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِذَا تَقَابَضَا ثُمَّ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ بِأَبْدَانِهِمَا ، ثُمَّ وَجَدَ مُشْتَرِي الدَّرَاهِمِ بَعْضَهَا زَائِفًا فَرَدَّهُ عَلَى بَائِعِهَا مِنْهُ مَرِيدًا الْبَدَلَ مِنْهُ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبْدَالِ مِنْهُ بِالصَّرْفِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ الْمُسْتَبْدَلُ مِنْهُ مَقْبُوضًا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ . وَذَلِكَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا رَدَّهُ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي قَدْرِ الْمَرْدُودِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي عَلَى مَا قَدْ وَصَفْتُ . فَإِنْ رَضِيَ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِي الْجِيَادِ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِحِصَّتِهَا مِنْ دِينَارِهِ ، كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا مَاضِيًا فِي قَدْرِ الْجِيَادِ مِنْهَا ، وَالصَّرْفُ فِيهَا نَافِذًا ، وَكَانَ لِرَبِّ الدَّرَاهِمِ الَّتِي بَاعَهُ إِيَّاهَا شَرِيكًا فِي دِينَارِهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مَا رَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ الْعَيْبُ الزَّائِفُ ، فَإِنْ شَاءَ صَارَفَ صَاحِبَهُ ذَلِكَ الْفَضْلَ الَّذِي انْتَقَضَ فِيهِ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بُرْدِ الْمَعِيبِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، وَإِنْ شَاءَ كَانَ عَلَى شِرْكَتِهِ فِيمَا بَقَّى لَهُ فِي الدِّينَارِ . فَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ مُشْتَرِي الدَّرَاهِمَ فِي الدَّرَاهِمِ مِنَ الْمَرْدُودِ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا ، فَإِنَّ الْبَيْعَ فِي حِصَّةِ ذَلِكَ الَّذِي وَجَدَهُ كَذَلِكَ مُنْتَقِضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ مِنَ الدِّينَارِ ، وَهُوَ بِقَدْرِ ذَلِكَ شَرِيكٌ لِرَبِّ الدَّرَاهِمِ وَدِينَارِهِ ، وَلَهُ مِنَ الْخِيَارِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ فِي بَاقِي الدَّرَاهِمِ وَإِمْضَائِهِ عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ . وَكَذَلِكَ لَهُ ، إِنْ أَمْضَى الْبَيْعَ فِي الْجِيَادِ مُصَارَفَةُ صَاحِبِهِ فِيمَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ مِنْ دِينَارِهِ إِنْ شَاءَ ، وَالثَّبَاتُ عَلَى شِرْكَتِهِ فِيهِ عَلَى مَا قَدْ بَيَنَّا قَبْلُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : يَنْتَقِضُ بِوِجُودِهِ بَعْضَهَا نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا ، وَبِرَدِّهِ بِعَيْنِ الصَّرْفِ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنْ كَانَ الْمَعِيبُ الْمَرْدُودُ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَا أَوْ نِصْفًا انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الْجَمِيعِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِمُشْتَرِي الدَّرَاهِمَ الِاسْتِبْدَالُ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جَعَلَ سَبَبَ انْتِقَاضِ الصَّرْفِ بَيْنَ الْمُتَصَارِفَيْنِ افْتِرَاقُهُمَا بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ . فَمَعْلُومٌ أَنَّ حُكْمَ مَا قُبِضَ مِنْ صَرْفِهَا خِلَافُ حُكْمِ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنْهُ ، وَأَنَّ مَا تَقَابَضَاهُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَمَاضٍ فِيهِ الصَّرْفُ ، وَأَنَّ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُنْتَقِضُ ، لِأَنَّهُ الَّذِي دَخَلَهُ التَّأْخِيرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ . وَيُقَالُ لِمَنْ أَبْطَلَ الصَّرْفَ فِيمَا تَقَابَضَ الْمُصْطَرِفَانِ مِنْ أَجْلِ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا مِنْهُ ، أَوْ أَبْطَلَ الصَّرْفَ فِي الْجِيَادِ بِوُجُودِ مُشْتَرِي الدَّرَاهِمِ فِي الدَّرَاهِمِ رُدُودًا إِذَا رَدَّهَا ، أَرَأَيْتَ إِنْ خَالَفَكَ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ ، فَأَجَازَ فِيمَا لَمْ يَتَقَابَضَا ، أَوْ فِيمَا رَدَّ مُشْتَرِي الدَّرَاهِمِ مِنَ الزُّيُوفِ الصَّرْفَ لِجَوَازِهِ فِيمَا كَانَ تَقَابَضَا مِنْهُ ، وَفِيمَا كَانَ مِنَ الدَّرَاهِمِ جِيَادٌ خِلَافًا لِفِعْلِكَ فِي ذَلِكَ ، إِذَا أَبْطَلْتَ مَا أَجَازَهُ النَّبِيُّ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ نَاجِزًا بِنَاجِزٍ ، مِنْ أَجْلِ مَا كَانَ مِنْهُ نَاجِزًا بِغَائِبٍ ، هَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَرْقٌ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ ، وَكِلَاكُمَا قَدْ خَالَفَ ظَاهِرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا عُورِضَ فِي الْآخَرِ بِمِثْلِهِ . وَكَالْقَوْلِ فِي صَرْفِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ ، الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَسَاءً ، وَلَمْ يَكُنْ جَائِزًا إِلَّا يَدًا بِيَدٍ
شروح الحديث المتاحة:
ذِكْرُ الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، يَعْنِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : لَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، لَا تُفَضِّلُوا أَنْ تَبِيعُوا إِحْدَاهُمَا زَائِدَةً عَلَى الْأُخْرَى بِهَا ، وَلَكِنْ بِيعُوا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبَتِهَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ . يُقَالُ : إِذَا بَاعَ الْبَائِعُ إِحْدَى الذَّهَبَيْنِ بِالْأُخْرَى زَائِدَةً عَلَيْهَا فِي الْوَزْنِ : قَدْ أَشَفَّ فُلَانٌ ذَهَبَهُ عَلَى ذَهَبِ فُلَانٍ ، وَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ بِذَهَبِهِ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا مِنْ ذَهَبِ مُبَايِعِهِ . وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ : قَدْ أَشَفَّ فُلَانٌ بَعْضَ بَنِيهِ عَلَى بَعْضٍ ، إِذَا فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ . وَيُقَالُ : مَا أَقْرَبَ شَفِّ بَيْنِهِمَا ، أَيْ فَضْلِ بَيْنِهِمَا ، يُقَالُ : فُلَانٌ حَرِيصٌ عَلَى الشَّفِّ ، يَعْنِي بِهِ : عَلَى الرِّبْحِ . وَأَمَّا الشَّفُّ : بِفَتْحِ الشِّينِ ، فَالسِّتْرُ الرَّقِيقُ ، وَكُلُّ ثَوْبٍ رَقِيقٍ يُسْتَشَفُّ مَا خَلْفُهُ ، فَهُوَ شَفٌّ ، يُقَالُ مِنْهُ : شَفَّ الثَّوْبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَهُوَ يَشِفُّ شُفُوفًا ، وَذَلِكَ إِذَا بَدَا مَا وَرَاءَهَا مِنْ خَلْفِهَا . وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تَكْسُوا نِسَاءَكُمُ الْقَبَاطِيَّ ، فَإِنَّهُ إِلَّا يَشِفُّ فَإِنَّهُ يَصِفُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يُرَ مَا خَلْفَهُ ، فَإِنَّهُ يَصِفُهَا لِرِقَّتِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيِّ : زَانَهُنَّ الشُّفُوفُ يَنْضَحُ بِالْمِسْـ ـكِ وَعَيْشٌ مُفَانِقٌ وَحَرِيرُ يَعْنِي بِالشُّفُوفِ جَمْعَ شَفٍّ . وَأَمَّا الشَّفِيفُ فَإِنَّهُ الْبَرْدُ ، يُقَالُ مِنْهُ : إِنَّ فُلَانًا لَيَجِدُ فِي أَسْنَانِهِ شَفِيفًا ، أَيْ : بَرْدًا شَدِيدًا . وَإِنَّ فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ لَشَفًّا شَدِيدًا ، أَيْ : بَرْدًا شَدِيدًا . وَأَمَّا قَوْلُهُمُ : اسْتَشَفَّ فُلَانٌ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنَ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ شَرِبَهُ كُلَّهُ ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ السَّائِرُ : لَيْسَ الرِّيُّ عَنِ التَّشَافِ يَقُولُ : لَيْسَ الرِّيُّ بِأَنْ تَشْرَبَ جَمِيعَ مَا فِي الْإِنَاءِ حَتَّى لَا تُبْقِي فِيهِ شَيْئًا . وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ إِحْدَى عَشْرَ امْرَأَةً وَصَفْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ، أَخْبَرَ أَنَّ إِحْدَاهُنَّ قَالَتْ : زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ ، تَعْنِي بِقَوْلِهَا : اشْتَفَّ ، شَرِبَ جَمِيعَ مَا فِي الْإِنَاءِ فَلَمْ يُسْئِرْ فِيهِ شَيْئًا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : قَدِ اشْتَافَ فُلَانٌ لِكَذَا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ تَطَاوَلَ لَهُ وَنَظَرَ ، يُقَالُ مِنْهُ : اشْتَافَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ فَهُوَ يَشْتَافُ لَهُ اشْتِيَافًا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : رَأَيْتُ فُلَانًا يَتَشَوَّفُ لَكَ ، يَعْنِي أَنَّهُ يَتَطَاوَلُ وَيَنْظُرُ . وَيُقَالُ : شِيفَتِ الْجَارِيَةُ لِزَوْجِهَا ، إِذَا زُيِّنَتْ لَهُ وَهُيِّئَتْ ، فَهِيَ تُشَافُ شَوْفًا . وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَسَاءً ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالنَّسَاءِ : التَّأْخِيرَ ، يَقُولُ : نَهَى أَنْ يُبَاعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِتَأْخِيرٍ . يُقَالُ مِنْهُ : بَاعَ فُلَانٌ مَتَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ بِنَسِيئَةٍ ، وَبِأَخِرَةٍ ، وَبِنَظِرَةٍ ، وَدَيْنٍ ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . يُقَالُ : نَسَأْتُ فُلَانًا مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ ، إِذَا أَخَّرْتُهُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : عَرَفَتْنِي ، نَسَأَهَا اللَّهُ ، أَيْ : أَخَّرَهَا اللَّهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } ، يَعْنِي بِذَلِكَ تَأْخِيرَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَفْعَلُهُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا ، مِنْ تَأْخِيرِ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ : انْتَسَأَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ إِذَا تَبَاعَدَ عَنْهُ ، يُقَالُ مِنْهُ : انْتَسِئْ عَنَّا قَلِيلًا ، يُرَادُ بِهِ : تَبَاعَدْ . وَيُقَالُ : مَا أَجِدُ مُنْتَسَئًا ، أَيْ : مُتَبَاعَدًا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : إِذَا انْتَسَئُوا فَوْرَ الرَّمَّاحِ أَتَتْهُمُ عَوَائِرُ نَبْلٍ كَالْجَرَادِ نُطِيرُهَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : نَسَأْتُ اللَّبَنَ ، فَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ هَذَا ، وَهُوَ أَنْ تَمْذُقَهُ حَلِيبًا ، يُقَالُ مِنْهُ : نَسَأَ فُلَانٌ لَبَنَهُ فَهُوَ يَنْسَأُهُ نَسْأً . وَيُقَالُ أَيْضًا : نَسَأَ فُلَانٌ الْمَاشِيَةَ ، إِذَا أَخَّرَهَا . وَنُسِئَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ تُنْسَأُ نَسْأً ، وَذَلِكَ فِي أَمْرِ بَعْلِهَا ، يُقَالُ : امْرَأَةٌ نَسُوءُ . وَأَمَّا قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ : طَيَّرَ عَنْهَا النَّسْءُ حَوْلِيَّ الْعَقَقْ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالنَّسْءِ بَدْءَ السَّمْنِ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ جَرَى النَّسْءُ فِي الدَّوَابِّ ، إِذَا بَدَأَ فِيهَا السَّمْنُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا نَاجِزًا بِغَائِبٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالنَّاجِزِ الْحَاضِرَ يَقُولُ : لَا تَبِيعُوا حَاضِرَ الذَّهَبِ بِغَائِبِ الْوَرِقِ . يُقَالُ مِنْهُ : نَجَزَ الْمَالُ ، إِذَا حَضَرَ ، وَمِنْهُ قِيلَ : أَنْجَزَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مَا وَعَدَ ، وَذَلِكَ إِذَا أَوْفَى لَهُ بِهِ فَأَحْضَرَهُ إِيَّاهُ . وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالرَّمَاءِ الرِّبَا ، وَأَصْلُ الرَّمَاءِ : زِيَادَةُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ ، يُقَالُ مِنْهُ : أَرْمَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ فِي الْقَوْلِ إِذَا زَادَ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلِ ، وَأَرْبَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ ، فَهُوَ يُرْمِي ، وَيُرْبِي إِرْبَاءً ، وَإِرْمَاءً ، وَمِنَ الْإِرْمَاءِ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَأَسْمَرَ خَطِّيٍّ كَأَنَّ كُعُوبَهُ نَوَى الْقَسْبِ قَدْ أَرْمَى ذِرَاعًا عَلَى عَشْرِ
شروح الحديث المتاحة:
683 حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَمْرٍو ، سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَا يَحُولَنَّ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ *
شروح الحديث المتاحة:
684 حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا كُلَيْبٌ ، قَالَ : سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ ، فَقُلْتُ : أَشْتَرِي الذَّهَبَ ؟ فَقَالَ : مِنْ يَدِكَ إِلَى يَدِهِ ، وَصَفَّقَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ قَالَ لَكَ : إِلَى وَرَاءِ هَذِهِ الْأُصْطُوَانَةِ ، فَلَا *
شروح الحديث المتاحة:
685 حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثَ الصَّنْعَانِيِّ : أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا لَا نَدْرِي مَا هِيَ ؟ أَلَا وَإِنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ تِبْرِهِ وَعَيْنِهِ ، أَلَا وَإِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ تِبْرِهَا وَعَيْنِهَا ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً ، أَلَا وَإِنَّ الْبُرَّ بِالْبُرِّ يَدًا بِيَدٍ مُدًّا بِمُدٍّ ، أَلَا وَإِنَّ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ مُدًّا بِمُدٍّ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً ، أَلَا وَإِنَّ التَّمْرَ مُدْيًا بِمُدْيٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، حَتَّى كُرَّ الْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ *
شروح الحديث المتاحة:
686 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، أَنْبَأَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَعَافِرِيُّ ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ مِنْ بَنِي سَرِيعٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ، صَرْفَ ثُلُثَ دِينَارٍ فُلُوسًا ، فَأَخَذَ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ لَهُ الصَّرَّافُ : ارْجَعْ لِي بَعْدَ سَاعَةٍ أُعْطِكَ إِيَّاهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي الْآنَ تَمَامُ الثُّلُثِ فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَحْيَى : فَذَهَبْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ عِنْدَ رَجُلٍ فَقَالَ عُلَيُّ بْنُ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ وَحَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ : لَا يَصْلُحُ هَذَا ، مَا أَخَذْتَ فَلَكَ ، وَمَا بَقِيَ عِنْدَ الصَّرَّافِ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ : فَتَرَكْتُ مَا بَقِيَ لَمْ آخُذْهُ *
شروح الحديث المتاحة:
687 حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَنَّ صَخْرَ بْنَ أَبِي غَلِيظٍ حَدَّثَهُمَا أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَابْتَاعَ أَبُو سَلَمَةَ ثَوْبًا بِدِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمًا قَالَ اللَّيْثُ : أَوْ قِيرَاطًا ، فَأَعْطَاهُ أَبُو سَلَمَةَ الدِّينَارَ ، وَقَالَ : هَلُمَّ الدِّرْهَمَ قَالَ : لَيْسَ عِنْدِي دِرْهَمٌ الْآنَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ ، فَأَلْقَى إِلَيْهِ أَبُو سَلَمَةَ الثَّوْبَ وَقَبَضَ الدِّينَارَ مِنْهُ . وَقَالَ : لَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ *
شروح الحديث المتاحة:
688 حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، قَالَ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ : الرَّجُلُ يَصْرِفُ الدَّرَاهِمَ بِالْفُلُوسِ . قَالَ : هُوَ صَرْفٌ ، لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ وَكَذَلِكَ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُونَ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إِذَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ أَنَّ صَرْفَهُمَا مَاضٍ جَائِزٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا اصْطَرَفَا عَلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ حَاضِرًا عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَيْهِ بِرُبَّانِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا اصْطَرَفَا عَلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ حَاضِرًا فِي حَالِ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِرُبَّانِهِ فَالصَّرْفُ بَاطِلٌ . وَإِنْ أَحْضَرَا ذَلِكَ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا ، فَلَمْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَعَاقَدَا فِيهِ الصَّرْفَ إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ . وَقَالُوا : سَوَاءٌ كَانَ الْغَائِبُ مِنْ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ، فِي أَنَّ الصَّرْفَ بَاطِلٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ حَاضِرَيْنِ ، فَيَتَعَاقَدَا الصَّرْفَ عَلَيْهِمَا وَهُمَا يَرَيَانِهِمَا . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنْ قَالُوا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . قَالُوا : فَإِذَا كَانَ الذَّهَبَانِ أَوِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَوْ إِحْدَاهُمَا غَايَتُهُ فِي حَالِ عَقْدِ الصَّرْفِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَاءَ وَهَاءَ . قَالُوا : وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِمَا ، كَانَ الْمُتَصَارِفَانِ دَاخِلَيْنِ فِي مَعْنَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرِّبَا ، مَرْدُودٌ فِي قَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالُوا : وَأُخْرَى ، أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُجَمِّعُونَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ نَسَاءً غَيْرُ جَائِزٍ . قَالُوا : وَسَوَاءٌ إِذْ كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ ، قَصِيرُ الْأَجَلِ أَوْ طَوِيلُهُ . قَالُوا : وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إِذَا تَصَارَفَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ أَوْ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ ، وَهُمَا غَيْرُ حَاضِرَيْنِ مَعًا أَوْ إِحْدَاهُمَا ، أَنَّ ذَلِكَ صَرْفٌ قَدْ دَخَلَهُ تَأْخِيرٌ وَنَسَاءٌ إِلَى وَقْتِ إِحْضَارِهِمَا مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ . قَالُوا : وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الصَّرْفُ مُنْتَقِضًا مَتَى تَعَاقَدَهُ الْمُصْطَرِفَانِ ، وَالذَّهَبَانِ ، أَوِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ اللَّتَانِ وَقَعَ عَلَيْهِمَا الصَّرْفُ غَيْرُ حَاضِرَتَيْهِمَا فِي حَالِ عَقْدِ الصَّرْفِ عَلَيْهِمَا *
شروح الحديث المتاحة:
689 ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أَنْبَأَنِي عُبَيْدُ بْنُ بَابِي : أَنَّهُ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ وَرِقًا بِذَهَبٍ أَوْ ذَهَبًا بِوَرِقٍ ، فَقَبَضَ سِلْعَتَهُ . قَالَ : فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ أُرِيدُ مَنْزِلَهُ ، فَلَقِيَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدَانِ ، أَوْ أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقُلْتُ : بِعْتُ مِنْ هَذَا وَرِقًا بِذَهَبٍ أَوْ ذَهَبًا بِوَرِقٍ . قَالَ : فَأَيْنَ سِلْعَتُكَ ؟ قُلْتُ : مَعَهُ . قَالَ : اجْلِسَا . فَأَخَذَ سِلْعَتَهُ فَرَدَّهَا إِلَيْهِ وَقَالَ قُولَا : لَيْسَ بَيْنَنَا بَيْعٌ ، لَيْسَ بَيْنَنَا بَيْعٌ . فَقَامَا ، فَقَالَا : لَيْسَ بَيْنَنَا بَيْعٌ ، لَيْسَ بَيْنَنَا بَيْعٌ . فَقَالَ : انْطَلِقْ مَعَهُ ، فَإِذَا حَضَرَتْ سِلْعَتُكَ فَبَايِعْهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِذَا لَمْ يَفْتَرِقِ الْمُتَصَارِفَانِ عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ فَالصَّرْفُ جَائِزٌ مَاضٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ حَاضِرًا فِي حَالِ عَقْدِ الْبَيْعِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ ، لِأَنَّ كُلَّ مُتَبَايِعَيْنِ بَيْعًا فَإِنَّهُمَا عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَعَاقَدَا فِيهِ عُقْدَةَ الْبَيْعِ بِأَبْدَانِهِمَا ، لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي شَيْئًا عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَا زَالَ مِلْكُ الْبَائِعِ عَمَّا كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ حَتَّى يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ مَالِكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ ، فَسَوَاءٌ حَضَرَهُمَا مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا ، إِذَا كَانَ قَدْ تَوَاصَفَاهُ فِي حَالِ عَقْدِ الصَّرْفِ إِذَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ إِلَّا عَنْ تَقَابُضٍ . فَإِنِ افْتَرَقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْتَقَضَ حِينَئِذٍ الصَّرْفُ الَّذِي كَانَ تَعَاقَدَا بَيْنَهُمَا ، الَّذِي كَانَ تَمَامُهُ يَكُونُ بِالتَّقَابُضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ . وَمَنْ أَنْكَرَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قِيلَ لَهُ : مَا قُلْتَ فِي رَجُلَيْنِ تَعَاقَدَا عَقْدَ السَّلَمِ بَيْنَهُمَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ عَلَى بَعْضِ مَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْمَالِ ، وَتَوَاصَفَا الْمَالَ وَالْمُسَلَّمَ فِيهِ ، ثُمَّ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى أَحْضَرَ الْمُشْتَرِي الْمَالَ الَّذِي أَسْلَمَهُ إِلَى صَاحِبِهِ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي أَسْلَمَ فِيهَا ؟ فَإِنْ قَالَ : السَّلَمُ بَاطِلٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ حَاضِرًا فِي حَالِ عَقْدِ الْمُسْلَمِ بِرُبَّانِهِ ، وَيَعْقِدَانِ السَّلَمَ عَلَيْهِ ، فَارَقَ قَوْلُهُ ، وَخَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي جَوَازِ عَقْدِ السَّلَمِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي هُوَ ثَمَنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي حَالِ عَقْدِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَفْتَرِقِ الْمُتَبَايعَانِ عَنْ مَجْلِسِهِمَا ذَلِكَ إِلَّا عَنْ قَبْضِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِ ثَمَنَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ . وَإِنْ قَالَ : السَّلَمُ مَاضٍ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا إِلَّا عَنْ قَبْضِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ ثَمَنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِ . قِيلَ لَهُ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمُتَصَارِفَيْنِ ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ افْتِرَاقُهُمَا عَنْ غَيْرِ قَبْضٍ ، وَهَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ فِي الصَّرْفِ مَا قُلْتَ فِي السَّلَمِ ، وَقَالَ فِي السَّلَمِ مَا قُلْتَ فِي الصَّرْفِ فَرْقٌ ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ . وَبَعْدُ ، فَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْتُ مُفَسَّرًا ، ثَبَتَ عَنْهُ . *
شروح الحديث المتاحة:
