الخميس، ١٠ محرم ١٤٤٨ هـ

مَسِيرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ

روايات وأحاديث من كتاب تاريخ المدينة لابن شبة

1303 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَئِنْ عِشْتُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلًا ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي ، إِمَّا هُمْ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيَّ ، وَإِمَّا عُمَّالُهُمْ فَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى مِصْرَ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا *
1304 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ حَتَّى إِذَا دَنَا أَنَاخَ فَذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ ، قَالَ أَسْلَمُ : فَطَرَحْتُ فَرْوَتِي بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي ، فَلَمَّا فَرَغَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَدَ إِلَى بَعِيرِي فَرَكِبَهُ ، وَرَكِبَ أَسْلَمُ بَعِيرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَخَرَجَا يَسِيرَانِ حَتَّى لَقِيَهُمَا أَهْلُ الْأَرْضِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَوَا أَشَرْتُ لَهُمْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَجَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَطْمَحُ أَبْصَارُهُمْ إِلَى مَرَاكِبَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ *
1305 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَزَلَ لِلصُّبْحٍ ، وَنَزَلْتُ مَعَهُ ، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَكَانَ إِذَا ذَهَبَ أَبْعَدَ ثُمَّ جَاءَ فَنَاوَلْتُهُ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ صَلَّى ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَرْكَبَ قَالَ : هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ جَمَلِي وَأَرْكَبَ جَمَلَكَ يَا أَبَا خَالِدٍ ؟ وَلَكِنَّهُ جَعَلَ يَقْبِضُ ، قَالَ : قُلْتُ : وَمَا يَقْبِضُ ؟ قَالَ : يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ فَلَا يُنْشِبُ - أَيْ يُنَقِّبُ - وَهُوَ جَمَلُ رَجُلٍ أَقَثَّ لَمْ يُثْقِلْ حَوَايَاهُ الشَّحْمُ قَالَ : ثُمَّ لَقِيَنَا أَهْلَ الْأَرْضِ يَنْشدُونَ ، قَالُوا : أَيْنَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : أَمَامَكُمْ ، قَالَ : فَانْصَرَفُوا قَالَ : مَا إِخَالُنَا إِلَّا قَدْ كَرَبْنَاهُمْ نَادِهِمْ ، فَنَادَيْتُهُمْ فَرَجَعُوا ، فَقُلْتُ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَكَأَنَّمَا ضَرَبْتُ وُجُوهَهُمْ فَانْصَرَفُوا ، فَقَالَ : هَلْ تَرَى مَا أَرَى يَا أَبَا خَالِدٍ ؟ فَقُلْتُ : وَمَا أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى صَاحِبِكَ ثِيَابَ قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا ، ثُمَّ تَزْدَرِينَا أَعْيُنُهُمْ ، قَالَ : فَلَقِيَنَا النَّاسُ فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَعَلَى قَوْمٍ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ ، فَلَوْ رَكِبْتَ دَابَّةً غَيْرَ دَابَّتِكَ هَذِهِ ؟ قَالَ : فَأُتِيَ بِبِرْذَوْنٍ فَرَكِبَهُ ، فَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بِهِ ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا تَبَخْتُرًا فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ : مَا حَمَلْتُمُونِي إِلَّا عَلَى شَيْطَانٍ ، مَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي ، إِيتُونِي بِقَعُودِي فَرَكِبَهُ ، وَأَخَّرَ النَّاسَ عَنْهُ ، قَالَ : فَطَلَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى جَمَلٍ خِطَامُهُ حَبَلٌ أَسْوَدُ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : مَرْحَبًا ، هَذَا أَخِي ، مَرْحَبًا هَذَا رَجُلٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ الدُّنْيَا ، قَالَ : فَمَا زَالَ يَقُولُ مَرْحَبًا حَتَّى جَاءَ *
1306 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا كُنَّا فِي أَدْنَى الرِّيفِ وَدَنَوْنَا مِنْهُ ، ذَهَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِحَاجَتِهِ ، وَكَانَ إِذَا ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ فَجَاءَ وَقَدْ قَلَبْتُ فَرْوَتِي فَأَلْقَيْتُهَا بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ ، فَرَكِبَ بَعِيرِي وَرَكِبْتُ بَعِيرَهُ ، فَلَمَّا خَطَا بِهِ الْبَعِيرُ قَالَ : يَا أَسْلَمُ بِجَمَلِكَ هَذَا قِبَاضٌ ، قُلْتُ : لَا أَدْرِي ، قَالَ : بَلَى ، وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا رَجُلٌ لَمْ يُثْقِلْ حَوَايَاهُ الشَّحْمُ ، فَسِرْنَا حَتَّى لَقِيَنَا النَّاسُ ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَ عَنْهُ فَأَقُولُ : أَمَامَكُمْ فَيَبْعُدُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، فَقَالَ لِي : يَا أَسْلَمُ قَدْ أَكْثَرْتَ فَأَخْبِرْهُمْ ، فَقُلْتُ : هَذَا ، فَاطَّلَعَ أُنَاسٌ فَقَالُوا : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقُلْتُ : هَذَا ، فَجَعَلُوا يَتَوَاطَأُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَرَوْنَ عَلَيْنَا بُرُدَ قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَأَعْيُنُهُمْ تَزْدَرِينَا ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى لَقِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ ، قَالَ : فَمَهْ ؟ قَالَ : يُؤْتَى بِدَابَّةٍ فَتَرْكَبُهَا ، قَالَ : مَا شِئْتُمْ ، قَالَ : فَأُتِيَ بِبِرْذَوْنٍ فَرَكِبَهُ ، فَجَعَلَ الْبِرْذَوْنُ يُحَرِّكُهُ ، فَجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُهُ وَيَضْرِبُ وَجْهَهُ فَلَا يَزِيدُهُ إِلَّا مَشْيًا فَقَالَ سَائِسُ الدَّابَّةِ : مَا يَنْقِمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ ؟ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ : مَا حَمَلْتُمُونِي إِلَّا عَلَى شَيْطَانٍ ، وَمَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي قَرِّبُوا بَعِيرِي ، فَرَكِبَهُ ثُمَّ اعْتَزَلَ النَّاسُ ، فَسَارَ حَتَّى لَقِيَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى بَعِيرٍ قَدْ خَطَمَهُ بِحَبْلٍ أَسْوَدَ ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَخِي ، لَعَمْرِي لَمْ تُغَيِّرْكَ الدُّنْيَا بَعْدِي وَدَخَلَا *
1307 حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يَسِيرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : أُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبِرْذَوْنٍ فَرَكِبَهُ مُنْطَلِقًا إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا هَزَّهُ خَلَجُهُ ، فَنَزَلَ عَنْهُ ، وَقَالَ : قَبَّحَ اللَّهُ مِنْ عَمَلِكَ هَذَا *
1308 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : رَكِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرْذَوْنًا فَهَزَّهُ فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ : مَا يَصْلُحُ هَذَا إِلَّا لِصَاحِبٍ يَأْتِي عَلَيْهِ الْغَائِطَ *
1309 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الشَّامِيِّ ، مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَيْهِمُ الشَّامَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ بَيْنَ عَمُودَيْنِ ، تَلُوحُ صَلْعَتُهُ فِي الشَّمْسِ ، لَا حِقْبَةَ وَلَا خَشَبَةَ ، تَصْطَفِقُ رِجْلَاهُ ، لَيْسَ لَهُ رِكَابَانِ ، وِطَاؤُهُ فَرْوَةُ كَبْشٍ كَرْمِيٍّ ذَاتِ صُوفٍ ، هُوَ وِطَاؤُهُ إِذَا رَكِبَ ، وَفِرَاشُهُ إِذَا نَزَلَ ، وَحَقِيبَةٌ نَمِرَةٌ أَوْ شَمْلَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا هِيَ وِسَادَتُهُ إِذَا نَزَلَ وَحَقِيبَتُهُ إِذَا رَكِبَ ، قَالَ لَهُ رَأْسُ الْقَرْيَةِ : أَنْتَ مَلِكُ الْعَرَبِ وَهَذِهِ دَابَّةٌ لَا تَصْلُحُ لِهَذَا الْبَلَدِ ، فَأُتِيَ بِبِرْذَوْنٍ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ ، فَرَكِبَ بِغَيْرِ سَرْجٍ فَأَهَزَّتْهُ ، فَقَالَ : أَمْسِكْ أَمْسِكْ ، أَدْنِ جَمَلِي ، مَا شَعَرْتُ أَنَّ النَّاسَ يَرْكَبُونَ الشَّيَاطِينَ قَبْلَ يَوْمِي هَذَا ، فَدُعِيَ بِجَمَلِهِ فَرَكِبَهُ *
1310 حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ قَتَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنِ ابْنِ صَالِحٍ قَالَ : قَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْجَابِيَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ مُقَتَّبٍ بِقَتَبٍ مُشْتَمِلًا بِعَبَاءَةٍ قَطَوَانِيَّةٍ ، خِطَامُ بَعِيرِهِ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى ، وَفِي يَسَارِهِ نَمِرَةٌ *
1311 حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَجْلَانَ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الشَّامَ فَلَقِيَهُ الْعَجَمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَيَقُولُونَ : أَيْنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَيَقُولُونَ : قُدَّامَكُمْ ، حَتَّى جَاوَزُوهُ فَسَأَلُوا : فَقِيلَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَرَجَعُوا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فِي رَجُلٍ أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَقَالُوا : هَذِهِ وَاللَّهِ الرَّهْبَانِيَّةُ ، لَا رَهْبَانِيَّتُكُمْ ، قَالَ : وَلَقِيَهُ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى بِرْذَوْنٍ فَنَزَلَ وَمَشَى مَعَهُ وَتَغَافَلَ عَنْهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَهِدْتَ الرَّجُلَ ، إِنَّهُ بَادِنٌ ، فَقَالَ : دَعْهُ ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرَادَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَرَكِبَ *
1312 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ قَيْسٍ الْحَرَّانِيَّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي : سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَسْجَعَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْجَابِيَةَ لِغَرَضِ الْخَرَاجِ وَذَلِكَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ شَهِدْتُهُ دَعَا بِكُرْسِيٍّ مِنْ كَرَاسِيِّ الْكَنِيسَةِ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ أَكْرِمُوا أَصْحَابِي ؛ فَإِنَّ خِيَارَكُمْ أَصْحَابِي ، أَلَا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، أَلَا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، أَلَا ثُمَّ يَظْهَرُ الْعَرَبُ وَيَكْثُرُ الْحَلِفُ حَتَّى يَحْلِفَ الْحَالِفُ ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَحْلَفْ ، وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَشْهَدْ ، أَلَا فَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، الْجَمَاعَةُ تَدْرَؤُكُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ بَنِي آدَمَ وَهُوَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا ، أَلَا وَمَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَاتُهُ وَسَرَّتْهُ حَسَنَاتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ قُمْتُ فِيكُمْ بِقَدْرِ مَا قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ أَذْرِعَاتٍ ، وَقَدْ وَلَّى عَلَى الشَّامِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَدَعَا بِغَدَائِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الثَّرِيدِ رُفِعَ ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَصْعَةٌ أُخْرَى فَصَاحَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَأَرْسَلَ يَزِيدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ صَاحِبَ إِمْرَةٍ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : مَا بَالِي تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيَّ قَصْعَةٌ وَتُرْفَعُ أُخْرَى ؟ قَالَ : إِنَّكَ هَبَطْتَ أَرْضًا كَثِيرَةَ الْأَطْعِمَةِ فَخِفْتُ عَلَيْكَ وَخَامَتَهَا ، فَأَشِرْ إِلَيَّ إِنْ شِئْتَ حَتَّى أُلْزِمَكَهُ ، فَأَشَارَ إِلَى الثَّرِيدِ ، فَقَامَ قُسْطَنْطِينُ وَهُوَ صَاحِبُ بُصْرَى بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ فَرَضَ عَلَيَّ الْخَرَاجَ ، فَاكْتُبْ لَهُ بِهِ فَأَنْكَرَ عُمَرُ ذَاكَ وَقَالَ : فَمَا فَرَضَ عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَرَضَ عَلَيَّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَعَبَاءَةً عَلَى كُلِّ جُلْهُمَةٍ يَعْنِي الْجَمَاجِمَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : مَا يَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ : كَذَبَ ، وَلَكِنِّي صَالَحْتُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ لِيَسْتَمْتِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِي شِتَائِهِمْ هَذَا ، ثُمَّ تَقْدُمُ أَنْتَ فَتَكُونُ الَّذِي يَفْرِضُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَبُو عُبَيْدَةَ أَصْدَقُ عِنْدَنَا مِنْكَ ، فَقَالَ قُسْطَنْطِينُ : صَدَقَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَكَذَبْتُ أَنَا ، قَالَ : وَيْحَكَ ، فَمَاذَا أَرَدْتَ بِمَقَالَتِكَ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ أَخْدَعَكَ ، وَلَكِنِ افْرِضْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْآنَ ، قَالَ : فَجَاثَاهُ النَّبَطِيُّ مُجَاثَاةَ الْخَصِمِ عَامَّةَ النَّهَارِ ، فَفَرَضَ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، وَعَلَى النَّاسِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُشَاطِرَهُمْ مَنَازِلَهُمْ فَيَنْزِلَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَعَلَى أَنْ لَا يَضْرِبُوا بِنَاقُوسٍ ، وَلَا يَرْفَعُوا صَلِيبًا إِلَّا فِي جَوْفِ كَنِيسَةٍ ، وَعَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً إِلَّا مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَعَلَى أَنْ لَا يَمُرَّ خِنْزِيرٌ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَى أَنْ يُقْرُوا ضَيْفَهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَعَلَى أَنْ يَحْمِلُوا رَاجِلَهُمْ مِنْ رُسْتَاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ ، وَعَلَى أَنْ يُنَاصِحُوهُمْ وَلَا يَغُشُّوهُمْ ، وَعَلَى أَنْ لَا يُمَالِئُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا ، فَمَنْ وَفَى وَفَيْنَا لَهُ ، وَمَنَعْنَاهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا ، وَمَنِ انْتَهَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ اسْتَحْلَلْنَا بِذَلِكَ سَفْكَ دَمِهِ وَسِبَاءَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، فَقَالَ لَهُ قُسْطَنْطِينُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اكْتُبْ لِي بِهِ كِتَابًا ، فَقَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ وَكَّدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : إِلَّا أَنْ أَسْتَثْنِيَ عَلَيْكَ مِيرَةَ الْجَيْشِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبَطِيُّ : لَكَ ثُنْيَاكَ ، وَقَبَّحَ اللَّهُ مَنْ أَقَالَكَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُ قُسْطَنْطِينُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قُمْ فِي النَّاسِ فَأَعْلِمْهُمْ كِتَابَكَ لِي لِيَتَنَاهَوْا عَنْ ظُلْمِي ، وَالْعِسَارِ عَلَيْنَا ، فَقَامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَخَطَبَ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ قَالَ النَّبَطِيُّ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ تَكَلَّمَ بِهِ ، فَعَادَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْخُطْبَةِ وَعَادَ النَّبَطِيُّ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَفَتَرَوْنَ مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا : يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ عُدْتَ لَهَا لَأَضْرِبَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ ، فَمَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ إِلَيْهِ قُسْطَنْطِينُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَاقْضِهَا لِي فَإِنَّ لِي عَلَيْكَ حَقًّا ، قَالَ : مَا حَقُّكَ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّغَارِ ، قَالَ : وَمَا حَاجَتُكَ ؟ إِنْ كَانَ لَكَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ فَعَلْنَا ، قَالَ غَدًا عِنْدِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَيْحَكَ إِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّكَ ، قَالَ : وَلَكِنَّهَا مَكْرُمَةٌ وَشَرَفٌ أَنَالُهُ ، قَالَ : انْطَلِقْ فَتَهَيَّأْ حَتَّى نَأْتِيَكَ ، فَانْطَلَقَ فَتَهَيَّأَ فِي كَنِيسَةِ بُصْرَى ، وَنَجَّدَهَا وَهَيَّأَهَا وَهَيَّأَ فِيهَا الْأَطْعِمَةَ وَقِبَابَ الْخَبِيصِ وَكَانُونًا عَلَيْهِ الْمِجْمَرُ ، فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ نَزَلَ فِي بَعْضِ الْبَيَادِرِ ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي وَتَبِعَهُ النَّاسُ وَالنَّبَطِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ بَدَا لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : لَا يَتَّبِعْنِي أَحَدٌ ، ثُمَّ مَضَى هُوَ وَالنَّبَطِيُّ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْكَنِيسَةَ إِذَا هُوَ بِالسُّتُورِ وَالْبُسُطِ وَقِبَابِ الْخَبِيصِ وَالْمِجْمَرِ ، فَقَالَ لِلنَّبَطِيِّ : وَيْلَكَ لَوْ نَظَرَ مَنْ خَلْفِي إِلَى مَا هَاهُنَا أَفْسَدْتَ عَلَيَّ قُلُوبَهُمْ ، اهْتِكْ مَا أَرَى ، قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ ، فَقَالَ لَهُ : إِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَأْكُلَ طَعَامَكَ فَاصْنَعْ مَا آمُرُكَ ، فَهَتَكَ السُّتُورَ وَنَزَعَ الْبُسُطَ ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْمِجْمَرَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اخْرُجْ إِلَى رِحَالِنَا فَأْتِنِي بِأَنْطَاعٍ ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَسَطَهَا فِي الْكَنِيسَةِ ، ثُمَّ عَمَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ الْخَبِيصِ وَمَا كَانَ هُنَا فَعَكَسَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، فَجَعَلَ يَحْمِلُ بِيَدَيْهِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى الْأَنْطَاعِ ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ النَّاسَ ، فَجَاءُوا فَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ وَأَقْبَلُوا يَأْكُلُونَ ، فَرُبَّمَا وَقَعَتِ الْقِطْعَةُ مِنَ الْخَبِيصِ فِي فَمِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ : إِنَّ هَذَا طَعَامٌ مَا رَأَيْنَاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَيْحَكَ أَمَا تَسْمَعُ ؟ كَيْفَ لَوْ رَأَوْا مَا رَأَيْتُ ؟ فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ النَّبَطِيُّ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ قَدِ اجْتَمَعُوا ، فَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَخْلَاقٌ وَسِخَةٌ مُهَلْهَلَةٌ فَلْنُحَدِّثْهُ عَنْهَا فَنُعِيرُهُ ثِيَابًا غَيْرَ هَذِهِ حَتَّى يَقْضِيَ جُمْعَتَهُ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَدْخُلُ فِي هَذَا بَعْدَ إِذْ نَجَوْتُ مِنْهُ أَمْسِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبَطِيُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثِيَابُكَ قَدِ اتَّسَخَتْ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْطِيَنَا أَنْ نَغْسِلَهَا وَنَرُمَّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ ثِيَابَهُ وَاتَّزَرَ بِكِسَاءٍ فَعَمَدَ النَّبَطِيُّ فَغَسَلَ الثِّيَابَ وَتَرْكَهَا فِي الْمَاءِ ، ثُمَّ هَيَّأَ لَهُ قَمِيصًا مَرَوِيًّا وَرِدَاءً قَصِيبًا ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْجُمُعَةُ قَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِيتِنِي بِثِيَابِي ، قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَفَّتْ ، فَنَحْنُ نُعِيرُكَ ثَوْبَيْنِ حَتَّى تَقْضِيَ جُمُعَتَكَ ، قَالَ : أَرِنِي ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقَمِيصِ قَالَ : وَيْحَكَ كَأَنَّمَا رُفِيَ رَفْوًا أَغْرِبْهُمَا عَنِّي وَأْتِنِي بِثِيَابِي ، فَجَاءَ بِهَا تَقْطُرُ ، فَجَعَلَ يَتَنَاوَلُهَا ، وَجَعَلَ النَّبَطِيُّ يَأْخُذُ بِطَرَفِ الثَّوْبِ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ ، فَجَعَلَ يَعْصِرُهَا وَيَلْبَسُهَا ، ثُمَّ دَعَا بِكُرْسِيٍّ مِنْ كَرَاسِيِّ الْكَنِيسَةِ فَقَامَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَمْسَحُ ثِيَابَهُ وَيُمَدِّدُهَا قَالَ : فَسَأَلْتُهُ : أَيَّ شَيْءٍ كَانَتْ ثِيَابُهُ ؟ قَالَ : غَزْلِيَّ كَتَّانٍ ، وَجَاءَتِ الرُّهْبَانُ فَقَامُوا وَرَاءَ النَّاسِ وَعَلَيْهِمُ الْقَلَانِسُ تَبْرُقُ بَرِيقًا وَمَعَهُمْ عِصِيٌّ عَلَيْهَا صَفَائِحُ الْفِضَّةِ وَمَعَهُمُ الْمَوَاكِبُ ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ وَإِلَى هَيْئَتِهِ قَالُوا : أَنْتُمُ الرُّهْبَانُ ، لَا وَاللَّهِ وَلَكِنْ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ ؟ وَمَا أَنْتُمْ عِنْدَهُ إِلَّا مُلُوكٌ ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى أَتَى دِمَشْقَ فَشَاطَرَهُمْ مَنَازِلَهُمْ ، وَكَنَائِسَهُمْ ، وَجَعَلَ يَأْخُذُ الْحَيِّزَ الْقِبْلِيَّ مِنَ الْكَنِيسَةِ لِمَسْجِدِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهَا أَنْظَفُ وَأَطْهَرُ وَجَعَلَ يَأْخُذُ هُوَ بِطَرَفِ الْحَبْلِ وَالنَّبَطِيُّ بِطَرَفِ الْحَبْلِ حَتَّى شَاطَرَهُمْ مَنَازِلَهُمْ ، قَالَ : فَرُبَّمَا أَرْخَى فَأَخَذَ الْحَبْلَ مِنْهُ فَأَعْقَبَهُ ، فَفَرَغَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ دِمَشْقَ وَحِمْصَ ، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى قِنَّسْرِينَ ، وَحَلَبَ وَمَنْبِجَ ، فَفَعَلَ بِهِمْ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ *