الأربعاء، ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

بَابُ تَخْصِيصِ السُّنَنِ لِعُمُومِ مُحْكَمِ الْقُرْآنِ وَذِكْرُ الْحَاجَةِ فِي الْمُجْمَلِ إِلَى

روايات وأحاديث من كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي

بَابُ تَخْصِيصِ السُّنَنِ لِعُمُومِ مُحْكَمِ الْقُرْآنِ وَذِكْرُ الْحَاجَةِ فِي الْمُجْمَلِ إِلَى التَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ , فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ , وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ , وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ , فَكَانَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَالِدٍ يَرِثُ وَلَدَهُ , وَكُلَّ مَوْلُودٍ يَرِثُ وَالِدَهُ , حَتَّى جَاءَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنَ وَالْمَوْلُودِينَ , وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الدِّينَانِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنَ التَّوَارُثِ , وَاسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ
بَابُ الْكَلَامِ فِي الْأَخْبَارِ وَتَقْسِيمِهَا الْخَبَرُ : هُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ أَوِ الْكَذِبُ , وَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : خَبَرُ تَوَاتُرٍ , وَخَبَرُ آحَادٍ . فَأَمَّا خَبَرُ التَّوَاتُرِ فَهُوَ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ حَدًّا يُعْلَمُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِمْ بِمُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ أَنَّ اتِّفَاقَ الْكَذِبِ مِنْهُمْ مُحَالٌ , وَأَنَّ التَّوَاطُؤَ مِنْهُمْ فِي مِقْدَارِ الْوَقْتِ الَّذِي انْتَشَرَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ فِيهِ مُتَعَذِّرٌ , وَأَنَّ مَا أَخْبَرُوا عَنْهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ اللَّبْسِ وَالشُّبْهَةِ فِي مِثْلِهِ , وَأَنَّ أَسْبَابَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالْأُمُورِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْكَذِبِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُمْ , فَمَتَى تَوَاتَرَ الْخَبَرُ عَنْ قَوْمٍ هَذِهِ سَبِيلُهُمْ قُطِعَ عَلَى صِدْقِهِ , وَأَوْجَبَ وُقُوعَ الْعِلْمِ ضَرُورَةً . وَأَمَّا خَبَرُ الْآحَادِ فَهُوَ مَا قَصَرَ عَنْ صِفَةِ التَّوَاتُرِ , وَلَمْ يَقَعْ بِهِ الْعِلْمُ وَإِنْ رَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ . وَالْأَخْبَارُ كُلُّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ فَضَرْبٌ مِنْهَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ , وَضَرْبٌ مِنْهَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ , وَضَرْبٌ مِنْهَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ . أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ , وَهُوَ مَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ , فَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ حَتَّى يَقَعَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَدُلُّ الْعُقُولُ عَلَى مُوجَبِهِ , كَالْإِخْبَارِ عَنْ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ , وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ , وَصِحَّةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ , وَنَظَائِرِ ذَلِكَ , مِمَّا أَدِلَّةُ الْعُقُولِ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ , وَقَدْ يُسْتَدَلُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّتِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَمَرٍ اقْتَضَاهُ نَصُّ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ , أَوِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَصْدِيقِهِ , أَوْ تَلَقَّتْهُ الْكَافَّةُ بِالْقَبُولِ , وَعَمِلَتْ بِمُوجَبِهِ لِأَجْلِهِ . وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي , وَهُوَ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ فَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَدْفَعُ الْعُقُولُ صِحَّتَهُ بِمَوْضُوعِهَا , وَالْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ فِيهَا نَحْوَ الْإِخْبَارُ عَنْ قِدَمِ الْأَجْسَامِ وَنَفْيِ الصَّانِعِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , أَوْ يَكُونَ مِمَّا يَدْفَعُهُ نَصُّ الْقُرْآنِ , أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ , أَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى رَدِّهِ , أَوْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَمَرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفِينَ عِلْمُهُ وَقُطِعَ الْعُذْرُ فِيهِ , فَإِذَا وَرَدَ وُرُودًا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ حَيْثُ الضَّرُورَةُ أَوِ الدَّلِيلُ عُلِمَ بُطْلَانُهُ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُلْزِمُ الْمُكَلَّفِينَ عِلْمًا بِأَمْرٍ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِخَبَرٍ يَنْقَطِعُ وَيَبْلُغُ فِي الضَّعْفِ إِلَى حَدٍّ لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ اضْطِرَارًا وَلَا اسْتِدْلَالًا , وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَعْضَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي يَجِبُ عِلْمُهَا يَبْلُغُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَأَسْقَطَ فَرْضَ الْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَبَرِ وَبُلُوغِهِ فِي الْوَهْيِ وَالضَّعْفِ إِلَى حَالٍ لَا يُمَكِّنُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ . أَوْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَمَرٍ جَسِيمٍ وَنَبَأٍ عَظِيمٍ , مِثْلَ خُرُوجِ أَهْلِ إِقْلِيمٍ بِأَسْرِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ لِأَهْلِ الْمَوْسِمِ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَلَا يُنْقَلُ نَقْلَ مِثْلِهِ بَلْ يَرِدُ وُرُودًا خَاصَّا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ , فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِهِ , لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَمَّا هَذِهِ سَبِيلُهُ . وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْوَقْفُ عَنِ الْقَطْعِ بِكَوْنِهِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا , وَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَيَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ , مِثْلَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَنْقُلُهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا , وَإِنَّمَا وَجَبَ الْوَقْفُ فِيمَا هَذِهِ حَالُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ لِعَدْمِ الطَّرِيقِ إِلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا صِدْقًا أَوْ كَذِبًا , فَلَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فِيهَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا تَضَمَّنَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ إِذَا وُجِدَ فِيهَا الشَّرَائِطُ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
بَابُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ إِذَا لَمْ يَقَعِ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الضَّرُورَةِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ إِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا أَنْكَرْتُ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا كَانَ مَرْوِيًّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَلَمْ يُعْلَمْ ضَرُورَةً وَلَا قَامَتْ عَلَى صِحَّتِهِ حُجَّةٌ , وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى كَوْنِهِ كَذِبًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ صِدْقَهُ لَمْ يُخْلِنَا مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ وَطَرِيقٍ إِلَيْهِ . يُقَالُ لَهُ : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلِيَنَا مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ وَقَعَ الْخِلَافُ ؟ بَلْ مَا أَنْكَرْتَ مِنْ وُجُوبِ كَوْنِهِ صِدْقًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ لَمْ يُخْلِنَا مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ , وَفَى إِخْلَائِهِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صِدْقٌ , وَلَا مَخْرَجَ لَهُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ , ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : إِنَّ حَالَ الْخَبَرِ فِي هَذَا الْبَابِ كَحَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى وُقُوعِ الْجَائِزِ الْمُمْكِنِ , وَلَوْ وَجَبَ مَا قُلْتَهُ لَوَجَبَ مَتَى عَرِيَتِ الشَّهَادَةُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا حُكْمٌ فِي الدِّينِ مِنْ دِلَالَةِ الصِّدْقِ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى أَنَّهَا كَذِبٌ وَزُورٌ , وَهَكَذَا يَجِبُ مَتَى لَمْ يَدُلَّنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِيمَانِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالسُّعَاةِ وَكُلِّ نَائِبٍ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ , وَعَلَى عَدَالَتِهِمْ وَطَهَارَةِ سَرَائِرِهِمْ , أَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَفِسْقِهِمْ , وَمَتَى لَمْ يَدُلَّنَا عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْحُكْمِ وَأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ , وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى فَسَادِهِ , وَلَا جَوَابَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَإِنْ قَالَ : كَمَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى كَذِبِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ مَتَى لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ دَالٌ عَلَى صِدْقِهِ , فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى كَذِبِ الْمُخْبِرِ مَتَى لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ - يُقَالُ لَهُ : إِنْ كَانَ هَذَا قِيَاسًا صَحِيحًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِتَكْذِيبِ جَمِيعِ آحَادِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , مَتَى انْفَرَدُوا بِالْخَبَرِ وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ دِلَالَةٌ عَلَى صِدْقِهِمْ , وَهَذَا خُرُوجٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ , وَجَهْلٌ مِمَّنْ صَارَ إِلَيْهِ , وَلَوْ كَانَ قِيَاسُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ وَرَاوِي الْخَبَرِ وَاحِدًا , لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّهَادَةِ مِثْلُهُ , وَأَنْ يُقْطَعَ عَلَى كُلِّ شَهَادَةٍ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا , أَوْ يَبْلُغْ عَدَدُ الشُّهُودِ عَدَدَ أَهْلِ التَّوَاتُرِ , أَنَّهَا كَذِبٌ وَزُورٌ , وَهَذَا لَا يَقُولُهُ ذُو تَحْصِيلٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ حَكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ , وَلَا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ , وَبِشَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِهِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بِشَهَادَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ . ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ يُخْبِرُنَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ , وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِتَعْظِيمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , وَمُوَالَاتِهِ , وَالْقَطْعِ عَلَى طَهَارَتِهِ وَنَقَاءِ سَرِيرَتِهِ , وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُ بِهِ , فَوَجَبَ مَعَ تَكْلِيفِ ذَلِكَ إِزَاحَةُ الْعِلَّةِ فِيمَا بِهِ يُعْلَمُ حُصُولُ صِدْقِهِ , وَالْقَطْعُ عَلَى إِرْسَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا لِلشَّىْءِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ مُحَالٌ وَخَارِجٌ عَنْ بَابِ التَّعَبُّدِ . وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَمَا تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِهَذَا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُنَا عَمَّنْ يُخْبِرُنَا عَنْهُ بِمَا لَا يَصِحُّ أَنْ نَعْلَمَهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ , وَلَا هُوَ خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَا نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالْقَطْعِ عَلَى طَهَارَةِ سَرِيرَتِهِ وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي خَبَرِهِ , بَلْ إِنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِالْعَمَلِ بِخَبَرِهِ مَتَى ظَنَنَّا كَوْنَهُ صِدْقًا , فَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الشَّاهِدِ الَّذِي أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ بِشَهَادَتِهِ , دُونَ اعْتِقَادِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِيهِ , وَكَمَا لَا يَجُوزُ قِيَاسُ الشَّهَادَةِ عَلَى ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ , فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْخَبَرِ عَلَيْهَا , وَهَذَا وَاضِحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ
18 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الثَّانِي بِبَغْدَادَ ، وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْبَزَّازُ بِعُكْبَرَا وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُعَدِّلُ بِالنَّهْرَوَانِ قَالُوا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ , ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ } ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , قَالَ : ثنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ، ثنا الْحُمَيْدِيُّ ، ثنا سُفْيَانُ ، ثنا الزُّهْرِيُّ ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ , عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا { {T:سورة البقرة آية رقم 230,فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } , وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ وَحْدَهُ , وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدَ وَالْإِصَابَةَ مَعًا , فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِصَابَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ *
19 أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحِرَشِيُّ } ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , أَنَّ عَائِشَةَ , زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ {T:بَتَّ طلاق امرأته : طلقها طلاقا بائنا لا رجعة فيه,فَبَتَّ طَلَاقَهَا , فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ , فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فَقَالَتْ : إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ , فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا , قَالَ : فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ ضَاحِكًا وَقَالَ : لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ , لَا , حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ قَالَتْ : وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ , لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ : أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } , فَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ يُوجِبُ الْقَطْعَ عَلَى كُلِّ سَارِقٍ بِسَرِقَتِهِ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ , حَتَّى دَلَّتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْضُ السُّرَّاقِ , وَهُوَ مَنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ فِي الْقِيمَةِ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا , وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ سَرِقَتِهِ هَذَا الْقَدْرَ فَلَا قَطْعَ فِيهِ *
20 أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , بِالْبَصْرَةِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِيُّ ، ثنا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ , وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ , قَالَا : ثنا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُرْوَةَ , وَعَمْرَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قَالَ : تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ : الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى مَا أَوْرَدْنَاهُ *
21 أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ , قَالَ : ثنا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ مَكْحُولٍ , قَالَ : الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ , قَالَ : وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ *
22 أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ ، ثنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , وَسُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، فَقَالَ : مَا أَجْسِرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُعَرِّفُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ *
23 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرَانَ الْقَوِّيُّ بِالْبَصْرَةِ , قَالَ : ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ ، ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ , قَالَ : كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ *
24 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ ، ثنا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا مُسَدَّدٌ , ح وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ _ وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ _ قَالَ : ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْدَانَ الْقَاضِي ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، قَالَا : ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ , كَانَ جَالِسًا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : لَا تُحَدِّثُونَا إِلَّا بِالْقُرْآنِ , قَالَ : فَقَالَ لَهُ : ادْنُهْ , فَدَنَا , فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى الْقُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ فِيهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَصَلَاةَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا , تَقْرَأُ فِي اثْنَتَيْنِ , أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى الْقُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَالطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ , ثُمَّ قَالَ : أَيْ قَوْمُ خُذُوا عَنَّا فَإِنَّكُمْ , وَاللَّهِ إِلَّا تَفْعَلُوا لَتَضِلُّنَّ *