الخميس، ١٠ محرم ١٤٤٨ هـ

الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ

روايات وأحاديث من كتاب مسند عمر بن الخطاب

الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الَّذِي سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ : إِنَّا قَدِمْنَا الْبَلَدَ وَنَحْنُ آمِنُونَ خَافِضُونَ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : خَافِضُونَ : سَاكِنُونَ وَادِعُونَ لَا نُحَارِبُ أَحَدًا . وَأَصْلُهُ مِنْ خَفْضِ الصَّوْتِ ، وَهُوَ سُكُونُهُ ، وَتَرْكُ رَفْعِهِ . يُقَالُ لِلرَّجُلِ : اخْفِضْ مِنْ صَوْتَكِ : يُرَادُ بِهِ أَخْفِهِ وَسَكِّنْهُ ، وَاتْرُكِ الضِّجَاجَ . وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ : فَاذْهَبُوا مَا إِلَيْكُمُ خَفَضَ الْحِلْمُ عَنَانِي وَعُرِّيَتْ أَنْقَاضِي يَعْنِي بِقَوْلِهِ : خَفَضَ الْحِلْمُ عَنَانِي : سَكَّنَ الْحِلْمُ جَهْلِي وَأَخْفَاهُ ، فَذَهَبَ بِهِ ، وَغَلَبَ الْحِلْمُ عَلَيَّ . وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ : الظَّاعِنُونَ عَلَى الْعَمَى لِجَمِيعِهِمْ وَالْخَافِضُونَ بِغَيْرِ دَارِ مُقَامِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَالْخَافِضُونَ بِغَيْرِ دَارِ مُقَامِ : وَالْمُسْتَقِرُّونَ بِغَيْرِ دَارِ قَرَارٍ ، وَالسَّاكِنُونَ بِهَا . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي جُحَيْفَةَ - إِذْ قِيلَ لَهُ : مِثْلُ مَنْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ كُنْتُ أَبْرِي وَأَرِيشُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَبْرِي : كُنْتُ أَنْحِتَ الْقِدَاحَ . يُقَالُ مِنْهُ : بَرَيْتُ السَّهْمَ وَالْقَلَمَ ، فَأَنَا أَبْرِيهِ بَرْيًا : وَذَلِكَ إِذَا نَحَتُّهُ ، وَيُقَالُ لِمَا تَسَاقَطَ مِنَ الْعُودِ بِالنَّحْتِ : الْبُرَايَةُ . وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : يَرِيشُ قَوْمًا وَيَبْرِي الْآخَرِينَ بِهِ لِلَّهِ مِنْ رَائِشٍ عَمْرٌو وَمِنْ بَارِ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَنْضَى بَعِيرَهُ بِطُولِ السَّيْرِ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ حَسِيرًا : قَدْ بَرَى فُلَانٌ مَطِيَّهُ فَهُوَ يَبْرِيهِ بَرْيًا : وَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ ، يُشَبَّهُ بِبَرْيِ الْقَلَمِ وَالْقِدْحِ إِذَا نُحِتَا ، وَيُقَالُ لِلْبَعِيرِ إِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى السَّيْرِ : إِنَّهُ لَذُو بُرَايَةٍ . وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرٍو الْكَلْبِ فِي صِفَةِ حِمَارِ وَحْشٍ : عَلَى حَتِّ الْبُرَايَةِ زَمْخَرِيِّ السَّوَاعِدِ ظَلَّ فِي شَرْيٍ طِوَالِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : بَرَى فُلَانٌ لِفُلَانٍ : فَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَعْنَى الْمُعَانَّةِ وَالْمُعَارَضَةِ ، يُقَالُ مِنْهُ : بَرَى فُلَانٌ لِفُلَانٍ ، فَهُوَ يَبْرِي لَهُ بَرْيًا : وَذَلِكَ إِذَا عَارَضَهُ يَصْنَعُ مِثْلَ صَنِيعِهِ ، وَانْبَرَى لَهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : بَرَتْ لَكَ حَمَّاءُ الْعِلَاطِ سَجُوعُ وَدَاعٍ دَعَا مِنْ خُلَّتَيْكَ نَزِيعُ وَيُقَالُ : فُلَانٌ وَفُلَانٌ يَتَبَارَيَانِ : إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُعَارِضُ صَاحِبَهُ فَيَصْنَعُ مِثْلَ صَنِيعِهِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : فُلَانٌ يُبَارِي الرِّيحَ سَمَاحَةً وَجُودًا ، فَهُوَ يُبَارِيهَا مُبَارَاةً : وَذَلِكَ إِذَا أَطْعَمَ وَحَمَلَ وَكَسَا كُلَّمَا هَبَّتْ ، فَعَارَضَ هُبُوبَهَا بِنَائِلٍ وَإِفْضَالٍ . وَأَمَّا الْبَرْءُ : فَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَهُوَ يَبْرَؤُهُمْ بَرْءًا ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ، يَعْنِي : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَخْلُقَهَا . وَكَذَلِكَ : ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَهُوَ يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ، وَاللَّهُ ذَارِئُ الْخَلْقِ ، وَيَذْرَأْهُمْ ، بِتَسْكِينِ الْهَمْزَةِ . وَأَمَّا الْبُرْءُ ، بِضَمِّ الْبَاءِ ، فَإِنَّهُ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ وَأَهْلِ نَجْدٍ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ : بَرِئْتُ مِنَ الْمَرَضِ ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ بُرْءًا ، وَفِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ قَوْلِكَ : بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ بُرْءًا . وَأَمَّا الْبَرَاءُ بِالْمَدِّ ، فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَرِئْتُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ بَرَاءً ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ ، فَيُقَالُ : هُوَ بَرَاءٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ، وَلِلِاثْنَيْنِ : هُمَا بَرَاءٌ مِنْهُ ، وَلِلْجَمِيعِ : هُمْ بَرَاءٌ مِنْهُ ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، كَمَا يُقَالُ : هُوَ عَدْلٌ ، وَهُمَا عَدْلٌ ، وَهُمْ عَدْلٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْكَ ، فَإِنَّهُ يُثَنِّي فِي التَّثْنِيَةِ ، وَيَجْمَعُ فِي الْجَمْعِ ، فَيَقُولُ : هُمَا بَرِيئَانِ مِنْكَ ، وَهُمْ بِرَاءٌ مِنْكَ ، وَبَرِيئُونَ ، وَأَبْرِيَاءُ ، وَبُرَآءُ . وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ ، فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، إِمَّا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَبْرَيْتُ النَّاقَةَ ، فَأَنَا أَبْرِيهَا إِبْرَاءً ، وَهِيَ نَاقَةٌ مُبْرَاةٌ : وَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ لَهَا بُرَّةً . وَالْبُرَّةُ : الْحَلْقَةُ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ ، وَإِمَّا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَبْرَأَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَرَضِ إِبْرَاءً . وَأَمَّا الْبُرْأَةُ : فَقُتْرَةُ الصَّائِدِ ، وَهِيَ الْحُفْرَةُ الَّتِي يَكْمُنُ فِيهَا لِلصَّيْدِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَرِيشُ : فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِلسَّهْمِ رِيشًا . وَأَصْلُ الرِّيشِ الْكُسْوَةُ ، وَمَا يُلْبَسُ . يُقَالُ : أَعْطَى فُلَانٌ فُلَانًا رَحْلًا بِرِيشِهِ : يُرَادُ بِكُسْوَتِهِ وَجَهَازِهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَحَسَنُ رِيشِ الثِّيَابِ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِرِيشِ الطَّائِرِ رِيشٌ ؛ لِأَنَّهُ لَهُ كَهَيْئَةِ الْكُسْوَةِ وَاللِّبَاسِ لِبَنِي آدَمَ . يُقَالُ مِنْهُ : رَاشَ فُلَانٌ فُلَانًا : إِذَا أَعْطَاهُ أَثَاثًا وَكُسْوَةً ، فَهُوَ يَرِيشُهُ رَيْشًا وَرِيشًا وَرِيَاشًا ، كَمَا يُقَالُ : لَبِسَهُ فَهُوَ يَلْبَسْهُ لِبَاسًا وَلِبْسًا . وَقَدْ أُنْشِدَ فِي اللِّبْسِ بِكَسْرِ اللَّامِ : فَلَمَّا كَشَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ بِأَطْرَافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلًا مُوَشَّمَا وَمِنْهُ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ لَعَنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَرِيشُ بَيْنَهُمَا . يَعْنِي بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الَّذِي يَسْفِرُ بَيْنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي لِيُحَسِّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلَهُ الَّذِي يَفْعَلُهُ مِنَ الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ ، كَالَّذِي يُحَسِّنُ رَائِشُ السَّهْمِ السَّهْمَ بِمَا يَرِيشُهُ مِنَ الرِّيشِ . وَأَمَّا قَوْلُ نَافِعٍ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً : فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً : مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى إِقَامَةٍ . يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ أَجْمَعَ فُلَانٌ عَلَى الْإِقَامَةِ بِمَوْضِعِ كَذَا ، وَأَزْمَعَ عَلَيْهِ : يُرَادُ بِهِ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : أَحْكِمُوا أَمْرَكُمْ ، وَأَعِدُّوا وَاعْزِمُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ عَازِمُونَ . وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ : أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ : فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَوْمٌ سَفْرٌ : قَوْمٌ مُسَافِرُونَ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ ، وَهُوَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ : قَوْمٌ زَوْرٌ ، وَقَوْمٌ صَوْمٌ ، وَفِطْرٌ ، وَجُنُبٌ ، وَعَدْلٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَادِرِ ، لَفْظُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ ، وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، فِيهِ وَاحِدٌ . ذِكْرُ مَا لَمْ يَمْضِ ذِكْرُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
743 حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ عِشْتُ لَأَنْهَيَنَّ أَنْ يُسَمَّى نَافِعًا وَبَرَكَةً وَيَسَارًا *
الْقَوْلُ فِي عِلَلِ هَذَا الْخَبَرِ وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَنَا صَحِيحٌ سَنَدُهُ ، لَا عِلَّةَ فِيهِ تُوَهِّنُهُ ، وَلَا سَبَبَ يُضَعِّفُهُ ، وَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ سَقِيمًا غَيْرَ صَحِيحٍ ؛ لِعِلَلٍ : إِحْدَاهَا : أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ الْقُصُورُ بِهِ عَلَى جَابِرٍ ، مِنْ غَيْرِ إِدْخَالِ عُمَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرُ سُفْيَانَ ، فَوَافَقَ - فِي تَرْكِهِ إِدْخَالَ عُمَرَ بَيْنَ جَابِرٍ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِوَايَةَ الَّذِينَ رَوَوْهُ عَنْ سُفْيَانَ ، فَلَمْ يُدْخِلُوا فِي حَدِيثِهِمْ عَنْهُ بَيْنَ جَابِرٍ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا . وَالثَّالِثَةُ : أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ عِنْدَهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ ؛ لِأَسْبَابٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهَا . وَالرَّابِعَةُ : أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَخْرَجٌ عَنْ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ : يَا نَعَايَا الْعَرَبِ , هَكَذَا رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ رُوَاةِ الْأَخْبَارِ , إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الرِّيَاءُ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ . وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَرُوَاةِ الشِّعْرِ مِنْهُمْ , فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ : إِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ , يَا نَعَائِي الْعَرَبِ , بِمَعْنَى الْأَمْرِ بِنَعْيِهِمْ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ : انْعُوهُمْ فَقَدْ هَلَكُوا . وَاسْتَشْهَدُوا لِتَصْحِيحِ مَا قَالُوا , مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : نَعَاءِ ابْنَ لَيْلَى لِلْفِعَالِ وَلِلنَّدَى وَرُكْبَانِ لَيْلٍ مُقْفَعِلِّ الْأَنَامِلِ وَيَقُولُ الْآخَرُ : نَعَاءِ جُذَامًا غَيْرَ مَوْتٍ وَلَا قَتْلِ وَلَكِنْ فِرَاقًا لِلدَّعَائِمِ وَالْأَصْلِ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَالُوا , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَغْرَتْ بِمَصْدَرِ قَضَيْتُ وَدَعَوْتُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ , قَالُوا : دَعَا دَعَاءً , وَقَضَى قَضَاءً , وَنعا نَعَاءً , كَمَا يَقُولُونَ , إِذَا أَغْرَوْا بِالسَّالِمِ مِنَ الْفِعْلِ : دَرَاكِ دَرَاكِ , وَنَظَارِ نَظَارِ , بِمَعْنَى أَدْرِكْ أَدْرِكْ , انْظُرُ انْظُرْ , فَيَفْتَحُونَ أَوَّلَهُ وَيَكْسِرُونَ آخِرَهُ كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : دَرَاكِهَا مِنْ إِبِلٍ دَرَاكِهَا قَدْ بَرَكَ الْمَوْتُ عَلَى أَوْرَاكِهَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : دَرَاكِهَا , أَدْرِكُوهَا , وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ : تَرَاكِهَا مِنْ إِبِلٍ تَرَاكِهَا قَدْ بَرَكَ الْمَوْتُ عَلَى أَوْرَاكِهَا وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : وَلَأَنْتَ أَشْجَعُ مِنْ أُسَامَةَ إِذْ دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذَّعْرِ وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَزْعُمُ أَنَّ فَعَالِ إِنَّمَا خُصَّ بِالْأَمْرِ , لِأَنَّهُ أُرِيدَ فِعَالِ مَصْدَرُ فَاعَلْتَ , فَكَانَ أَوَّلُهُ مَكْسُورًا فَغَيَّرُوهُ عَنْ وِجْهَةِ الْمَصْدَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ آخِرِهِ , كَمَا صُرِفَتْ ثُلَاثُ وَرُبَاعُ , عَنْ ثَلَاثَةَ وَأَرْبَعَةَ , وَعُرِبَتَا بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُمَا فِي مَذْهَبِ اسْمٍ , وَعُرِبَ فَعَالِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ بِالْخَفْضِ , لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَثَرًا مِنَ الْجَزْمِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي ذَلِكَ : يَا نُعْيَانَ الْعَرَبِ , عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ نَعَاهُ يَنْعَاهُ نَعْيًا وَنُعْيَانًا , كَالْبُهْتَانِ وَالْخُلْصَانِ . وَأَمَّا الرِّيَاءُ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَايَا فُلَانٌ فُلَانًا بِعَمَلِهِ مُرَايَاةً وَرِيَاءً . وَأَمَّا الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ : فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا , وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ فِيهَا مَا
919 حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ : قَالَ لِي خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ : عَنْ سُفْيَانَ : الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ , الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى الْبِرِّ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ شَهْوَةُ النَّفْسِ لِمَا قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ رُكُوبِ فَاحِشَةٍ مِنِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هُوَ الرَّجُلُ يُصْبِحُ صَائِمًا صَوْمًا تَطَوُّعًا , ثُمَّ يُصِيبُ طَعَامًا يَشْتَهِيهِ فَيُفْطِرُ مِنْ أَجْلِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي يُضْمِرُهُ صَاحِبُهُ وَيُصِرُّ عَلَيْهِ , فَإِنَّمَا هُوَ الْإِصْرَارُ , وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا أَنَّهُ شَهْوَةُ النَّفْسِ الْبَاطِنَةُ لِمَا حَلَّ وَحَرُمَ , وَإِنَّمَا قَالَ شَدَّادٌ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ , مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّ فِي الرِّيَاءَ مَا قَدْ بَيَّنْتُ قَبْلُ , وَأَنَّ الشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ إِذَا أَفْرَطَتْ حَمَلَتْ صَاحِبَهَا عَلَى رُكُوبِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ رُكُوبُهُ مِنَ الزِّنَا , وَشُرْبِ الْخَمْرِ , وَالسُّكْرِ , وَالسَّرَقِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَارِمِ . وَإِنَّمَا خَافَ شَدَّادٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ , مَا يَحْدُثُ عَنِ الشَّهْوَةِ مِنْ رُكُوبِ الْأُمُورِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الشَّهْوَةِ مَا إِذَا لَمْ يَرْكَبْ صَاحِبُهَا مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ مِنَ الْمَحَارِمِ , وَلَمْ تَتَعَدَّ إِلَى مَا حُظِرَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَآثِمِ , فَغَيْرُ ضَائِرَةٍ , بَلْ إِلَى أَنْ تَكُونَ لِصَاحِبِهَا إِذَا تَرَكَ التَّقَدُّمَ عَلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَحَارِمِ حِذَارَ الْعِقَابِ عَلَيْهَا , إِلَى رِضَى اللَّهِ مُقَرِّبَةً أَقْرَبَ مِنْهَا إِلَى أَنْ تَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مُبْعِدَةً , لِأَنَّ إِمَاتَتَهَا بِتَحْذِيرِ النَّفْسِ عِقَابَ اللَّهِ , وَخَوْفِ وَعِيدِهِ حَتَّى يَقْمَعَهَا أَوْ يَرُدُّهَا عَنْ بَاعِثِ هَوَاهَا , وَمَا اهْتَاجَ فِيهَا إِلَى تَقْوِيمِهَا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِي أَمَرَهَا بِهِ , هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ الَّذِي لَا جِهَادَ أَعْظَمَ مِنْهُ , وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِنْ قَتَلْتَهُ اسْتَرَحْتَ مِنْهُ , وَلَكِنَّ عَدُوَّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ , فَقَدْ بَيَّنَ الْحَسَنُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ رَدَّ النَّفْسِ عَنْ بَوَاعِثِ شَهْوَاتِهَا وَقَمْعَهَا عَنْ هِيَاجِ طَلَبَاتِهَا الْمُحَرَّمِ عَلَيْهَا رُكُوبُهَا إِلَى مَا يَحِلُّ لَهَا وَيُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهَا هُوَ جِهَادُ أَعْدَى الْأَعْدَاءِ لِلْمَرْءِ , وَذَلِكَ لَا شَكَّ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جِهَادِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ إِلَى قَتْلِهِمُ السَّبِيلُ *
الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ مِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ عَفَوْنَا لَكُمْ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ، يَعْنِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : قَدْ عَفَوْنَا لَكُمْ ، قَدْ تَرَكْنَا لَكُمْ ، أَنْ نَأْخُذَ الصَّدَقَةَ ، مِمَّا كَانَ لَنَا أَخْذُهَا مِنْهُ لَوْ أَخَذْنَاهَا ، فَتَجَاوَزْنَا لَكُمْ عَنْهُ ، عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَازِمَةً فَتَرَكَهَا وَأَسْقَطَهَا عَنْهُمْ . وَأَصْلُ الْعَفْوِ تَرْكُ الْعَافِي لِمَنْ عَفَا عَنْهُ فِي شَيْءٍ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ ، وَمِنْهُ قِيلَ : عَفَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
1246 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُنَادِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي : لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ *
مُسْنَدُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ