الأربعاء، ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

ذِكْرُ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ

روايات وأحاديث من كتاب مسند عمر بن الخطاب

ذِكْرُ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ
الْقَوْلُ فِيمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي وَجْهِهِ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ أَوْ خُمُوشٌ ، فَالْكُدُوحُ : آثَارُ الْخُدُوشِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : هُمَا الْغُولُ وَالسِّعْلَاةُ حَلْقِيَ مِنْهُمَا مُخَدَّشُ مَا بَيْنَ التَّرَاقِي مُكَدَّحُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مُكَدَّحُ : مُؤَثَّرٌ ، فِيهِ آثَارُ الْخُدُوشِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : أَقَبَّ كَعَقْدِ الْأَنْدَرِيِّ مُعَقْرَبٍ حَزَابِيَةٍ قَدْ كَدَّحَتْهُ الْمَسَاحِلُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَدْ كَدَّحَتْهُ : قَدْ عَضَّضَتْهُ ، فَأَثَّرَتْ بِهِ مِنْ عَضِّهَا إِيَّاهُ آثَارًا . وَإِنَّمَا يَصِفُ بِذَلِكَ عَيْرًا قَدْ كَدَّحَتْهُ الْمَعْيُورَاءُ ، فَأَثَّرَتْ بِهِ آثَارًا . وَأَمَّا الْخُمُوشُ : فَنَحْوُ الْخُدُوشِ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْآخَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْخَامِشَةَ وَجْهَهَا ، وَالشَّاقَّةَ جَيْبَهَا ، يَعْنِي بِالْخَامِشَةِ وَجْهَهَا مَا وَصَفْتُ ، يُقَالَ مِنْهُ : خَمَشَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا تَخْمِشُ وَتَخْمُشُ خَمْشًا وَخُمُوشًا ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ : خَمَشْنَ حُرَّا أَوْجُهٍ صِحَاحِ فِي السُّلُبِ السُّودِ وَفِي الْأَمْسَاحِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمُزْعَةِ : الْقِطْعَةَ مِنَ اللَّحْمِ . مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ : غَضِبَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ حَتَّى كَادَ أَنْفُهُ يَتَمَزَّعُ ، يُرَادُ بِهِ : يَتَقَطَّعُ قِطَعًا . وَأَمَّا قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ : تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : تَكَفَّلْتُ بِكَفَالَةٍ ، يُقَالُ لِلْكَفِيلِ يَتَكَفَّلُ بِالْمَالِ عَنِ الْقَوْمِ : هُوَ كَفِيلٌ بِهِ ، وَهُوَ حَمِيلٌ ، وَضَمِينٌ ، وَزَعِيمٌ ، وَقَبِيلٌ ، وَصَبِيرٌ . وَإِنَّمَا أَرَادَ قَبِيصَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ تَضَمَّنَ دِيَاتِ أَقْوَامٍ قُتِلُوا ؛ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ عَشَائِرِ الْقَاتِلِينَ وَالْمَقْتُولِينَ ؛ فَأَبَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ؛ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقْنِ دِمَاءِ الْفَرِيقَيْنِ ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْجَائِحَةِ : الْمُصِيبَةَ تَنْزِلُ بِمَالِ الرَّجُلِ ، وَالْآفَةَ تَحُلُّ بِهِ ، فَيَهْلِكُ لِذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي أَصَابَهُ ذَلِكَ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْآخَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، يَعْنِي بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِمَا أَهْلَكَتْهُ الْجَوَائِحُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ أُصُولُ أَشْرِيَتِهَا غَيْرَ صَحِيحَةٍ ، وَلَمْ يُهْلِكْهَا مُبْتَاعُوهَا ، وَلَا هَلَكَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ قَبْضِهِمُوهَا ، فَأَبَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنِ اجْتَاحَتِ الْجَوَائِحُ مَالَهُ الْمَسْأَلَةَ ؛ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ قِوَامًا مِنْهُ . و السِّدَادُ بِكَسْرِ السِّينِ : هُوَ مَا سَدَّ الْخَلَّةَ ، وَكَذَلِكَ مَا سَدَّ خَلَلًا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ سِدَادٌ بِكَسْرِ السِّينِ ، يُقَالُ مِنْهُ : هَذَا الشَّيْءُ سِدَادٌ مِنْ عَوْزٍ وَفَقْرٍ ، وَاجْعَلْ لِقَارُورَتِكَ سِدَادًا ، وَهُوَ الصِّمَامُ ؛ لِأَنَّهُ يَسُدُّ رَأْسَهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ : يَا خَالِ ، أَنْتَ سِدَادُ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ شَقَّتْ بَوَائِقُهُ عَلَى الْأَمْصَارِ وَمِنْهُ : سِدَادُ الثَّغْرِ ، إِذَا سُدَّ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرْجِيِّ : أَضَاعُونِي ، وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ وَأَمَّا السَّدَادَ بِفَتْحِ السِّينِ : فَهُوَ الْقَصْدُ وَالْإِصَابَةُ ، يُقَالُ مِنْهُ : إِنَّهُ لَرَجُلٌ مُسَدَّدٌ ، إِذَا كَانَ يَعْمَلُ بِالسَّدَادِ . وَعَلَيْكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ بِالسَّدَادِ ، يُرَادُ بِهِ الْقَصْدُ . وَكَذَلِكَ الْقِوَامُ بِكَسْرِ الْقَافِ : مَصْدَرُ أَقَامَ أَمْرَ الرَّجُلِ ، مِنْ كِفَايَةٍ تُقِيمُ عَيْشَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ . وَالْقَوَامُ ، بِفَتْحِ الْقَافِ : الْقَصْدُ وَالْعَدْلُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَوِي الْحِجَى : ذَوِي الْعَقْلِ وَالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ وَالْحَقِّ ، يُقَالُ مِنْهُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَقَامَ بِالْمَكَانِ وَلَزِمَهُ : حَجَا بِهِ يَحْجُو حُجُوًّا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ : بِرُبُضِ الْأَرْطَى وَحِقْفٍ أَعْوَجَا فَهُنَّ يَعْكُفْنَ بِهِ إِذَا حَجَا عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُونَ الْفَنْزَجَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فُلَانٌ يَأْتِينَا بِالْأَحَاجِي ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِجَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَاجِيَ مَا يُعَايَا بِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ : حَاجَيْتُ فُلَانًا مَا فِي يَدِي : إِذَا عَايَيْتُهُ بِهِ ، أَيُّ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَذَلِكَ مِنِ امْتِحَانِ الْعَقْلِ بِالْمُعَايَاةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَحْجِ بِذَاكَ ، فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَمَعْنَاهُ : أَخْلِقْ بِهِ أَنْ يَكُونَ ، وَأَحْرِ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ سُحْتٌ يَا قَبِيصَةُ ، يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسُّحْتِ : الْحَرَامَ الَّذِي يُهْلِكُ آكِلَهُ وَيَسْتَأْصِلُهُ هَلَاكًا ، بِأَكْلِهِ إِيَّاهُ وَإِفْسَادِهِ دِينَهُ . وَأَصْلُ السُّحْتِ : كَلْبُ الْجُوعِ ، يُقَالُ مِنْهُ : فُلَانٌ مَسْحُوتُ الْمَعِدَةِ ، إِذَا كَانَ أَكُولًا لَا يُلْفَى أَبَدًا إِلَّا جَائِعًا . وَإِنَّمَا قِيلَ لِآكِلِ الْحَرَامِ : هُوَ يَأْكُلُ السُّحْتَ ؛ لِشَرَهِهِ إِلَى أَكْلِ ذَلِكَ ، وَأَخْذِهِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ، كَشَرَهِ الْمَسْحُوتِ الْمَعِدَةِ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ ، يُقَالُ مِنْهُ : سَحَتَهُ اللَّهُ ، وَأَسْحَتَهُ ، لُغَتَانِ مَحْكِيَّتَانِ ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي الْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ( فَيَسْحَتَكُمْ ) وَ { فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ } ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ بْنِ غَالِبٍ : وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْمَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ يَعْنِي بْالْمُسْحَتِ : الَّذِي قَدِ اسْتُؤْصِلَ هَلَاكًا ؛ بِإِفْسَادِهِ إِيَّاهُ ، وَمَحْكِيٌّ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ لِلْحَالِقِ إِذَا حَلَقَ : اسْحَتْ شَعْرَهُ ، تَعْنِي بِهِ : اسْتَأْصِلْهُ . وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : مَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ : لِيُكَثِّرَهُ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ : مَنْ سَأَلَ عَنْ غِنًى مِنْ غَيْرِ فَاقَةٍ لِيُكَثِّرَ بِمَسْأَلَتِهِ مَالَهُ ، لَا لِيَسُدَّ بِهِ فَاقَتَهُ . وَالثَّرَاءُ بِالْمَدِّ : كَثْرَةُ الْمَالِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ : يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ وَأَمَّا الثَّرَى بِالْقَصْرِ : فَإِنَّهُ التُّرَابُ الْمُبْتَلُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، وَيُقَالُ : بَدَا ثَرَى الْمَاءِ مِنْ أَعْطَافِ الْخَيْلِ ، إِذَا عَرِقَتْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : يُذَدْنَ ذِيَادَ الْخَامِسَاتِ وَقَدْ بَدَا ثَرَى الْمَاءِ مِنْ أَعْطَافِهَا الْمُتَحَلِّبِ يُقَالُ مِنَ الْمَقْصُورِ مِنْ ذَلِكَ : ثَرَّى فُلَانٌ التُّرَابَ ، فَهُوَ يُثَرِّيهِ تَثْرِيَةً ، وَذَلِكَ إِذَا بَلَّهُ ، وَمِنَ الْمَمْدُودِ : أَثْرَى فُلَانٌ فَهُوَ يُثْرِي إِثْرَاءً . وَيُقَالُ : ثَرَى بَنُو فُلَانٍ بَنِي فُلَانٍ ، إِذَا كَثَرُوهُمْ ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ . وَيُقَالُ : هُوَ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَثَرَاءٍ ، يُرَادُ بِالثَّرْوَةِ : الْعَدَدُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فَلْيَجْزِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : فَلْيَجْزِ بِهِ : فَلْيُكَافِ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ : جَزَى اللَّهُ فُلَانًا عَنْ فُلَانٍ خَيْرًا ، يُعْنَى بِهِ : أَثَابَهُ اللَّهُ وَكَافَاهُ عَنْهُ ، عَلَى فِعْلِهِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : هَالِعٌ : جَازِعٌ ، يَجْزَعُ صَاحِبُهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي الْحُقُوقِ مَخَافَةَ الْفَاقَةِ وَالْإِقْتَارِ . وَوَصَفَ بِالْهَلَعِ الشُّحَّ - وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الشَّحِيحِ - كَمَا قِيلَ : لَيْلٌ نَائِمٌ ، وَنَهَارٌ صَائِمٌ ، يُرَادُ بِهِ : يُنَامُ فِي هَذَا ، وَيُصَامُ فِي هَذَا ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ : شُحٌّ هَالِعٌ ، أَنَّهُ يَهْلَعُ بِهِ صَاحِبُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا } ، قِيلَ : ضَجُورًا ، وَقِيلَ : جَزُوعًا . وَالْهَلَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ : أَشَدُّ الْجَزَعِ وَأَقْبَحُهُ ، يُقَالُ مِنْهُ : هَلِعَ فُلَانٌ يَهْلَعُ هَلَعًا وَهُلُوعًا . وَأَمَّا الْجُبْنُ الْخَالِعُ : فَهُوَ الْجُبْنُ الَّذِي يَخْلَعَ فُؤَادَ صَاحِبِهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ عِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ . وَإِنَّمَا وَصَفَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمَا شَرُّ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ خَلَائِقِهِ ؛ لِأَنَّ الشُّحَّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى كُلِّ عَظِيمَةٍ ، مِنْ مَنْعِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي أَوْجَبَهَا فِي مَالِهِ كَالزَّكَاةِ ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدَاءِ مَا يَلْزَمُهُ لِلنَّاسِ مِنَ الدُّيُونِ ، وَلِأَهْلِهِ مِنَ النَّفَقَاتِ ، وَيَدْعُوهُ إِلَى السَّرَقِ وَغَصْبِ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ ، وَخِيَانَتِهِمْ فِيمَا اتَّمَنُوهُ عَلَيْهِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُمَلُّ تَعْدَادُهَا ، وَأَنَّ الْجُبْنَ الْخَالِعَ يَصُدُّ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ مِنْ جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ ، وَيَدْعُو إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، حَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمَأْمُورِ أَوِ الْمَنْهِيِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَا عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ شُجَاعًا يَتَلَمَّظُ ، فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالشُّجَاعِ : نَوْعًا مِنَ الْحَيَّاتِ ، وَهِيَ مِنْ عِظَامِهَا وَخِبَاثِهَا ، وَإِيَّاهُ عَنَى الرَّاجِزُ بِقَوْلِهِ : قَدْ سَالَمَ الْحَيَّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا الْأَفْعُوَانَ وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَتَلَمَّظُ ، فَإِنَّ التَّلَمُّظَ : التَّمَطُّقُ وَتَكْرِيرُ الْعَضِّ وَالْقَضْمِ ، يُقَالُ مِنْهُ : مَا ذَاقَ فُلَانٌ الْيَوْمَ لَمَاظًا ، وَلَا مَضَاغًا ، وَلَا قَضَامًا ، وَلَا أَكَالًا ، إِذَا لَمْ يَذُقْ شَيْئًا . وَأَمَّا قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِعْوَزَيْنِ لَهُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمِعْوَزَيْنِ : ثَوْبَيْنِ خَلَقَيْنِ ، وَالْمَعَاوِزُ : جَمْعُ ذَلِكَ ، وَهِيَ الْخُلْقَانُ مِنَ الثِّيَابِ ، وَهِيَ الْأَسْمَالُ ، وَالْأَخْلَاقُ ، وَالْأَطْمَارُ وَالْأَهْدَامُ ، وَالشَّبَارِقُ ، وَالشَّرَاذِمُ ، وَالشَّمَاطِيطُ . وَأَمَّا قَوْلُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ : فَاضْطَرَّهُ النَّاسُ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سَلَمَةٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسَّلَمَةِ : شَجَرَةً تُدْعَى بِهَذَا الِاسْمِ لَهَا شَوْكٌ ، وَإِيَّاهَا عَنَى الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ : صَاحَ الْغُرَابُ بِمَهْ بِالْبَيْنِ مِنْ سَلَمَةْ وَكَذَلِكَ السَّمُرَةُ : شَجَرَةٌ تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ تَكُونُ بِالْبَوَادِي . وَأَمَّا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ : دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعِنْدَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ تَذُبُّ عَنْهُ ، وَهِيَ مَوْشُومَةُ الْيَدَيْنِ ، كَانُوا وَشَمُوهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ وَشْمَ الْيَدِ : تَغْرِيزُ ظُهُورِهَا بِالْإِبْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْحَدِيدِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ نُقُوشًا ، ثُمَّ يُحْشَى مَوَاضِعُ التَّغْرِيزِ نَؤُورًا لِيُخَضِّرَهَا أَوْ يُسَوِّدَهَا ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ، فَالْوَاشِمَةُ : فَاعِلَةُ الْوَشْمِ ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ : السَّائِلَةُ الْوَاشِمَةَ أَنْ تَشِمَهَا ، وَمِنَ الْوَشْمِ الَّذِي وَصَفْتُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ فِي صِفَةِ ثَوْرٍ وَحْشِيٍّ : أَمَّا السَّرَاةُ فَمِنْ دِيبَاجَةٍ لَهَقٍ وَبِالْقَوَائِمِ مِثْلُ الْوَشْمِ بِالْقَارِ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ : أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُهَا كِفَفًا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا وَأَمَّا قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : فَكَانَ أَهْلُ الْمَاءِ قَدْ أَصَابَهُمْ خَمْصٌ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْخَمْصِ : الْأَزْلَ وَالشِّدَّةَ وَالْمَجَاعَةَ ، وَالْخُمُوصَةُ : ضُمُورُ الْبَطْنِ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الضَّامِرَةِ الْبَطْنِ : خُمْصَانَةٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ : خُمْصَانَةٌ فُنُقٌ دُرْمٌ مَرَافِقُهَا كَأَنَّ أَخْمَصَهَا بِالشَّوْكِ مُنْتَعِلُ وَذَلِكَ مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ النِّسَاءُ ، وَمِنَ الْخَمْصِ أَيْضًا قَوْلُ مَيْمُونٍ الْآخَرُ : تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاءً بُطُونُكُمْ وَجَارَاتُكُمْ غُبْرٌ يَبِتْنَ خَمَائِصَا يَعْنِي بِالْخَمَائِصِ : الْمَهَازِيلَ الضَّامِرَاتِ الْبُطُونِ مِنَ الْجُوعِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } ، يَعْنِي بِالْمَخْمَصَةِ : الْمَجَاعَةَ ، وَهُوَ الْمَفْعَلَةُ مِنَ الْخَمْصِ . وَأَمَّا قَوْلُ لَبِيدٍ : وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَبَقِيتُ فِي قَوْمٍ شِرَارٍ أَرْدِيَاءَ ، خَلَفُوا أَهْلَ الْفَضْلِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنْ شِرَارٍ خَلَفُوا خِيَارًا كَانُوا قَبْلَهُمْ قَالُوا : خَلَفَهُمْ خَلْفُ سُوءٍ ، بِتَسْكِينِ اللَّامِ مِنَ الْخَلْفِ ، وَإِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ خِيَارٍ خَلَفُوا خِيَارًا قَالُوا : خَلَفَهُمْ خَلَفٌ صَالِحٌ ، بِفَتْحِ اللَّامِ مِنَ الْخَلَفِ . وَمِنَ الْخَلْفِ بِسُكُونِ اللَّامِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ } ، وَمِنَ الْخَلَفِ بِفَتْحِ اللَّامِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ : بَانَ الشَّبَابُ وَأَمْسَى الشَّيْبُ قَدْ أَزِفَا وَلَا أَرَى لِشَبَابٍ ذَاهِبٍ خَلَفَا وَأَمَّا قَوْلُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ : فَأُتِيَ بِأَرْبَعَةِ أَرْغِفَةٍ ، وَقَصْعَةٍ فِيهَا مَرِيسٌ ، فَإِنَّ الْمَرِيسَ : فَعِيلٌ مِنَ الْمَرْسِ ، أَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ ، كَمَا قِيلَ لِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ ، وَلِلْمَجْرُوحِ جَرِيحٌ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِالْمَرِيسِ : الشَّيْءَ الْمَمْرُوسَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ عَسَلٍ ، أَوْ تَمْرٍ ، أَوْ سَمْنٍ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ مَرَسَ فُلَانٌ الْعَسَلَ فِي الْقَصْعَةِ ، إِذَا صَفَّاهُ فِيهَا مِنْ شَهْدِهِ ، وَمَرَسَ التَّمْرَ فِي السَّمْنِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَدْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَعَالَجَهَا : قَدْ مَارَسَ الْأُمُورَ وَضَارَسَهَا ، كَمَا قَالَ الطِّرِمَّاحُ : وَضَارَسْتُ الْأُمُورَ وَضَارَسَتْنِي فَلَمْ أَعْجِزْ ، وَلَمْ تَضْعُفْ قَنَاتِي وَمِنَ الْمَرْسِ أَيْضًا قَوْلُهُ : بَنُو الْحَرْبِ مَا يُلْفَى بِنَبْعَةِ عُودِهِمْ إِذَا امْتَرَسَتْ فِيهِ الْأَكُفُّ ، صُدُوعُ
154 حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، أَنْبَأَنَا قَيْسٌ ، قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ أَبْيَضُ ، خَفِيفُ الْجِسْمِ ، عِنْدَهُ أَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيْسٍ تَذُبُّ عَنْهُ ، وَهِيَ مَوْشُومَةُ الْيَدَيْنِ - كَانُوا وَشَمُوهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَحْوَ وَشْمِ الْبَرْبَرِ - فَعُرِضَ عَلَيْهِ فَرَسَانِ فَرَضِيَهُمَا ، فَحَمَلَنِي عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَحَمَلَ أَبِي عَلَى الْآخَرِ *
155 حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : أَنَّ صِهْرًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ، فَعَرَّضَ لَهُ أَنْ يُعْطِيهَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ وَقَالَ : أَرَدْتَ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ مَلِكًا خَائِنًا ؟ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْطَاهُ عُمَرُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ عَشَرَةَ آلَافٍ *
156 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَخْلَدٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بِلَالِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَنْ تَزَالَ الْعَرَبُ عَرَبًا مَا كَانَتْ مَجَالِسُهَا أَنْدِيَةً ، وَأَكَلَتْ طَعَامَهَا بِالْأَفْنِيَةِ . فَإِذَا كَانَتْ مَجَالِسُهَا أَخْبِيَةً ، وَأَكَلَتْ طَعَامَهَا فِي بُيُوتِهَا ، أَنْكَرْتُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَا تَعْرِفُونَ *
157 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْغِفَارِيُّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَدَفَعَ إِلَيَّ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ فِي صُرَّةٍ ، فَقَالَ : اذْهَبْ بِهَا إِلَيْهِ ، وَتَلَبَّثْ سَاعَةً فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ بِهَا ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ : يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : اسْتَعِنْ بِهَذِهِ فِي حَاجَتِكَ ، قَالَ : وَصَلَهُ اللَّهُ وَرَحِمَهُ . ثُمَّ قَالَ : تَعَالَى يَا جَارِيَةُ ، خُذِي هَذِهِ السَّبْعَةَ ، وَخُذِي هَذِهِ الْخَمْسَةَ ، حَتَّى أَنْفَدَهَا ، قَالَ : ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ وَقَدْ أَعَدَّ مِثْلَهَا لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقُلْتُ لَهُ : يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : انْتَفِعْ بِهَذِهِ فِي حَاجَتِكَ فَقَالَ : وَصَلَهُ اللَّهُ وَرَحِمَهُ ، ثُمَّ قَالَ : تَعَالَى يَا جَارِيَةُ ، قَالَ : فَبَذَّرَهَا . قَالَ : فَاطَّلَعَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ : وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَسَاكِينُ ؛ فَأَعْطِنَا - وَلَمْ يَبْقَ فِي الْخِرْقَةِ غَيْرُ دِينَارَيْنِ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِهَا . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : الْقَوْمُ أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ *
158 حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَمَةَ النَّصْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : تُوُفِّيَ غَنِيَّانِ وَفَقِيرَانِ ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَحَدِ الْغَنِيَّيْنِ : مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ ، وَمَا تَرَكْتَ لِعِيَالِكَ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، خَلَقْتَنِي وَإِيَّاهُمْ سَوَاءً ، وَتَكَفَّلْتَ بِرِزْقِ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَقُلْتَ : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } ، فَقَدَّمْتُ لِهَذَا ، وَعَلِمْتُ أَنَّكَ تَرْزُقُ عِيَالِي مِنْ بَعْدِي ، قَالَ : فَيَقُولُ : اذْهَبْ ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدِي لَضَحِكْتَ كَثِيرًا ، وَلَبَكْيَتَ قَلِيلًا . قَالَ : ثُمَّ يُقَالُ لِلْغَنِيِّ الْآخَرِ : مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ ، وَمَا تَرَكْتَ لِعِيَالِكَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، كَانَ لِي عِيَالٌ تَخَوَّفْتُ عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ ، قَالَ : فَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَلَمْ أَخْلُقْكَ وَإِيَّاهُمْ سَوَاءً ، وَتَكَفَّلْتُ بِرِزْقِ كُلِّ دَابَّةٍ ؟ فَقَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ تَخَوَّفْتُ عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ ، قَالَ : فَقَدْ أَصَابَهُمْ مَا حَذِرْتَ عَلَيْهِمْ ، فَاذْهَبْ ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدِي لَضَحِكْتَ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتَ كَثِيرًا . وَقَالَ لِأَحَدِ الْفَقِيرَيْنِ : مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ ، وَمَا تَرَكْتَ لِعِيَالِكَ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : يَا رَبِّ خَلَقْتَنِي صَحِيحًا فَصِيحًا ، وَعَلَّمْتَنِي أَسْمَاءَكَ وَدُعَاءَكَ ، وَلَوْ كُنْتَ أَكْثَرْتَ لِي لَخَشِيتُ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْ طَاعَتِكَ ، فَقَدْ رَضِيتُ عَنْكَ يَا رَبِّ ، قَالَ : فَيَقُولُ : وَأَنَا رَاضٍ عَنْكَ ، فَاذْهَبْ ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدِي لَضَحِكْتَ كَثِيرًا وَلَبَكَيْتَ قَلِيلًا ، وَقَالَ لِلْفَقِيرِ الْآخَرِ : مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ ، وَمَا تَرَكْتَ لِعِيَالِكَ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَعْطَيْتَنِي شَيْئًا تَسْأَلُنِي عَنْهُ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : أَلَمْ أَخْلُقْكَ صَحِيحًا فَصِيحًا ، وَجَعَلْتُكَ سَمِيعًا بَصِيرًا ، وَقُلْتُ : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ، قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ ، وَلَكِنِّي نَسِيتُ ، قَالَ : وَأَنَا أَنْسَاكَ الْيَوْمَ ، فَاذْهَبْ ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدِي لَضَحِكْتَ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتَ كَثِيرًا *
159 حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مَاهَانَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْمُزَنِيِّ ، حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، قَالَ : خَطَبَنَا عَلِيٌّ - أَوْ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ - : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ ، يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَنْسَوَا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } *
160 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَنْبَأَنَا هُرَيْمٌ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : اشْتَرَيْتُ مِنْ عَلِيٍّ بُرْنُسَيْنِ مَنْسُوجَيْنِ بِذَهَبٍ بِسَبْعَةِ آلَافٍ ، قَالَ : فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا مِنْ أَهْلِ كَذَا بِسَبْعَةِ آلَافٍ ، فَمَا سَأَلَنِي عَنْ ثَمَنِهَا ، وَلَا أَعْطَيْتُهُ *
161 حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ - أَوْ : ثَلَاثٌ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ - الْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالِمِ *