الجمعة، ١١ محرم ١٤٤٨ هـ

الْقَلَانِسِيُّ

روايات وأحاديث من كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الْقَلَانِسِيُّ وَمِنْهُمُ الْمُؤَانِسِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيُّ كَانَ بِالْعَهْدِ وَافِيًا فَكَانَ الْحَقُّ لَهُ فِي الْمَعَاطِبِ نَاجِيًا
15173 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ , أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيَّ , رَكِبَ الْبَحْرَ فِي بَعْضِ سِيَاحَتِهِ فَعَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ فِي مَرْكَبِهِمْ فَدَعَا أَهْلُ الْمَرْكَبِ وَتَضَرَّعُوا وَنَذِرُوا النُّذُورَ , وَقَالُوا : أَيْ عَبْدَ اللَّهِ , كُلُّنَا قَدْ عَاهَدْنَا اللَّهَ وَنَذَرْنَا نَذْرًا إِنْ نَجَّانَا اللَّهُ فَانْذُرْ أَنْتَ نَذْرًا وَعَاهِدِ اللَّهَ عَهْدًا , فَقُلْتُ : أَنَا مُتَجَرِّدٌ مِنَ الدُّنْيَا مَالِي وَالنَّذْرَ , فَأَلَحُّوا عَلَيَّ فَقُلْتُ : لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ يُخَلِّصْنِي اللَّهُ مِمَّا أَنا فِيهِ , لَا آكُلُ لَحْمَ الْفِيلِ فَقَالُوا : إِيشْ هَذَا النَّذْرُ ؟ وَهَلْ يَأْكُلُ لَحْمَ الْفِيلِ أَحَدٌ ؟ فَقُلْتُ : كَذَا وَقَعَ فِي سِرِّي وَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِي , فَانْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ وَوَقَعْتُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى السَّاحِلِ فَبَقِينَا أَيَّامًا لَمْ نَذُقْ ذَوَاقًا , فَبَيْنَمَا نَحْنُ قُعُودٌ إِذَا بِوَلَدِ فِيلٍ فَأَخَذُوهُ وَذَبَحُوهُ , فَأَكَلُوا لَحْمَهُ وَعَرَضُوا عَلَيَّ أَكْلَهُ فَقُلْتُ : أَنا نَذَرْتُ وَعَاهَدْتُ اللَّهَ , أَنْ لَا آكُلَ لَحْمَ الْفِيلِ , فَاعْتَلُّوا عَلَيَّ بِأَنِّي مُضْطَرٌّ وَلِي فَسْخُ الْعَهْدِ لِاضْطِرَارِي , فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمْ وَثَبَتُّ عَلَى الْعَهْدِ فَأَكَلُوا وَامْتَلَئُوا وَنَامُوا , فَبَيْنَمَا هُمْ نِيَامٌ إِذْ جَاءَتِ الْفِيَلَةُ تَطْلُبُ وَلَدَهَا وَتَتْبَعُ أَثَرَهُ فَلَمْ تَزَلْ تَشَمُّ الرَّائِحَةَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى عِظَامُ وَلَدِهَا فَشَمِّتْهُ ثُمَّ جَاءَتْ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَلَمْ تَزَلْ تَشَمُّ وَاحِدًا وَاحِدًا فَكُلَّمَا شَمَّتْ مِنْ وَاحِدٍ رَائِحَةَ اللَّحْمِ دَاسَتْهُ بِرِجْلِهَا أَوْ بِيَدِهَا فَقَتَلَتْهُ حَتَّى قَتَلَتْهُمْ كُلَّهُمْ ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ فَلَمْ تَزَلْ تَشَّمُنِي فَلَمْ تَجِدْ مِنِّي رَائِحَةَ اللَّحْمِ فَأَدَارَتْ مُؤَخَّرَهَا وَأَوْمَأَتْ بِخُرْطُومِهَا أَيِ ارْكَبْ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا أَوْمَأَتْ فَرَفَعَتْ ذَنَبَهَا وَرِجْلَهَا فَعَلِمْتُ أَنَّهَا تُرِيدُ مِنِّي رُكُوبَهَا فَرَكِبْتُهَا فَاسْتَوَيْتُ عَلَى شَيْءٍ وَطِيءٍ فَسَارَتْ بِي سَيْرًا عَنِيفًا إِلَى أَنْ جَاءَتْ بِي فِي لَيْلَتِي إِلَى مَوْضِعِ زَرْعٍ وَسَوَادٍ وَأَوْمَأَتْ إِلَيَّ أَنْ أَنْزِلَ فَتَدَلَّتْ بِرِجْلِهَا حَتَّى نَزَلْتُ عَنْهَا فَسَارَتْ سَيْرًا أَشَدَّ مِنْ سَيْرِهَا بِي فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ زَرْعًا وَسَوَادًا وَنَاسًا , فَحَمَلُونِي إِلَى مَلِكِهِمْ وَسَأَلَنِي تَرْجُمَانُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقَصَّةِ وَمَا جَرَى عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ لِي : مَا تَدْرِي كَمِ السَّيْرُ الَّذِي سَارَتْ بِكَ اللَّيْلَةَ ؟ فَقُلْتُ : لَا , فَقَالَ : مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ , سَارَتْ بِكَ فِي لَيْلَةٍ فَلَبِثْتُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ حُمِلْتُ وَرَجَعْتُ *
الْقَلَانِسِيُّ قَالَ الشَّيْخُ : وَأَمَّا أَبُو أَحْمَدَ الْقَلَانِسِيُّ فَمَخْصُوصٌ بِالتَّوَاضُعِ وَالْفُتُوَّةِ وَالِاحْتِمَالِ وَطِيبَةِ الْقَلْبِ وَالِابْتِذَالِ صَحِبَ أَبَا حَمْزَةَ وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ
15620 سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنَ شَاهِينٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الْقَلَانِسِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ الْحَسَنِ الْقَلَانِسِيَّ ، يَقُولُ : رَأَيْتُ رَبِّيَ عَزَّ وَجَلَّ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، اغْفِرْ لِي مَا مَضَى قَالَ : إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أَغْفِرَ لَكَ مَا مَضَى فَأَصْلِحْ لِي مَا بَقِيَ قَالَ قُلْتُ : يَا رَبُّ ، فَأَعِنِّي عَلَيْهِ *
15621 سَمِعْتُ عَبْدَ الْمُنْعِمِ بْنَ عُمَرَ ، يَقُولُ : قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ : سَمِعْتُ الْكَتَّانِيَّ ، يَقُولُ : قَالَ مُنْيَةُ الْبَصْرِيُّ : سَافَرْتُ مَعَ أَبِي أَحْمَدَ الْقَلَانِسِيِّ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا فَفُتِحَ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ فَآثَرَنِي بِهِ وَكَانَ مَعَنَا سَوِيقٌ ، فَقَالَ لِي كَالْمَازِحِ : تَكُونُ جَمَلِي ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَكَانَ يُؤْجِرُنِي ذَلِكَ السَّوِيقَ يَحْتَالُ بِذَلِكَ أَنْ يُؤْثِرَنِي عَلَى نَفْسِهِ ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَ أَبَا مُحَمَّدٍ الرِّبَاطِيَّ الْمَرْوَزِيَّ وَسَلَكَ مَعَهُ الْبَادِيَةَ وَوَرِثَ عَنْهُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الْحَمِيدَةَ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمِيرَ فِي سَفَرِهِمَا ، فَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُهُ وَيَجُوعُ وَيَسْقِيهِ وَيَعْطَشُ وَيُؤْثِرُهُ بِأَسْبَابِ الرِّفْقِ ، وَذَكَرَ أَنَّ مَطَرًا أَصَابَهُمَا فِي رِيَاحٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ بِالْبَادِيَةِ فَقَالَ : يَا أَحْمَدُ ، اطْلُبِ الْمَيْلَ فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى الْمَيْلِ أَقْعَدَنِي فِي أَصْلِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ وَجَلَّلَنِي بِكِسَاءٍ كَانَ مَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ حَتَّى صِرْتُ كَأَنِّي فِي بَيْتٍ لَا يُصِيبُنِي الْمَطَرُ وَلَا الرِّيَاحُ , فَكُلَّمَا قُلْتُ لَهُ ، قَالَ : لَا تَعْتَرِضْ عَلَيَّ وَأَنَا الْأَمِيرُ ، وَكَانَ أَبُو حَمْزَةَ وَابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةُ الْمَشَايخِ يُكْرِمُونَهُ وَيُقَدِّمُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ *
15622 قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ : وَلَقَدْ صِحِبْتُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ فَمَا رَأَيْتُهُ قَطُّ يُبَيِّتُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً كَانَ يُخْرِجُهُ مِنَ اللَّيْلِ وَيَذْهَبُ مَذْهَبَ شَقِيقٍ فِي التَّوَكُّلِ ، وَكَانَ يَقُولُ : بِنَاءُ مَذْهَبِنَا عَلَى شَرَائِطَ ثَلَاثٍ : لَا نُطَالِبُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بِوَاجِبِ حَقِّنَا ، وَنُطَالِبُ أَنْفُسَنَا بِحُقُوقِ النَّاسِ ، وَنُلْزِمُ أَنْفُسَنَا التَّقْصِيرَ فِي جَمِيعِ مَا نَأْتِي بِهِ *