الجمعة، ١١ محرم ١٤٤٨ هـ

كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ،

روايات وأحاديث من كتاب باب صفة الصلاة

الحديث التاسع والثلاثون : يوجد في بعض نسخ الهداية للشافعي ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ، قلت :
أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد اللّه بن عمر ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، ثم كبر ، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك ، فإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود ، انتهى . قال البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين : وروي عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في التكبيرة الأولى ، قال ابن معين : إنما هو توهم لا أصل له ، أو هو محمول على السهو ، كبعض ما يسهو الرجل في صلاته ، ولم يكن ابن عمر يدع ما رواه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مع ما رواه عن ابن عمر مثل طاوس . وسالم . ونافع . ومحارب بن دثار . وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه ، فلو صحت رواية مجاهد لكانت رواية هؤلاء أولى ، ثم أخرج روايات هؤلاء المذكورين : أن ابن عمر كان يرفع يديه في الصلاة ، واللّه أعلم . أحاديث أصحابنا : منها حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ، قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ ! أسكنوا في الصلاة ،
أخرجه مسلم
واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين ، فقال : وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ، قال : دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ونحن نرفع أيدينا في الصلاة ، فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ ! أسكنوا في الصلاة ، وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام ، تفسره رواية عبد اللّه بن القبطية ، قال : سمعت جابر بن سمرة ، يقول : كنا إذا صلينا خلف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قلنا : السلام عليكم . السلام عليكم ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال : ما بال هؤلاء يؤمنون بأيديهم ، كأنه أذناب خيل شمس ؟ ! ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم ليسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله ، انتهى . وهذا قول معروف لا اختلاف فيه ، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهيّاً عنه ، لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع ، بل أطلق ، انتهى كلامه . ورواية عبد اللّه بن القبطية هذه أخرجه مسلم أيضاً ، وفي لفظ النسائي ، قال : ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ ! ، الحديث ولقائل أن يقول : إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر ، كما جاء في لفظ الحديث الأول : دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا الناس رافعي أيديهم في الصلاة ، فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ ! أسكنوا في الصلاة ، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له : أسكن في الصلاة ، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة ، وهو حالة الركوع والسجود ، ونحو ذلك ، هذا هو الظاهر ، والراوي روى هذا في وقت ، كما شاهده ، وروى الآخر في وقت آخر ، كما شاهده ، وليس في ذلك بُعْدُ ، واللّه أعلم . حديث آخر :
أخرجه أبو داود . والترمذي عن وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة ، قال : قال عبد اللّه بن مسعود : ألا أصلي بكم صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة ، انتهى . وفي لفظ : فكان يرفع يديه أول مرة ، ثم لا يعود ، قال الترمذي : حديث حسن ، انتهى . وأخرجه النسائي عن ابن المبارك عن سفيان به ، قال الشيخ تقي الدين في الإمام : وعاصم بن كليب أخرج له مسلم ، وعبد الرحمن بن الأسود أيضاً أخرج له مسلم ، وهو تابعي ، وثقه ابن معين ، وعلقمة ، فلا يسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به ، انتهى . واعترض على هذا الحديث بأمور : منها ما رواه الترمذي بسنده عن ابن المبارك ، قال : لم يثبت عندي حديث ابن مسعود : أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة ، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع ، وعند الرفع من الركوع ، وعند القيام من الركعتين ، ورواه الدارقطني ، ثم البيهقي في سننهما وذكره المنذري في مختصر السنن ، ثم قال : وقال غير ابن المبارك : لم يسمع عبد الرحمن من علقمة ، انتهى . ومنها تضعيف عاصم بن كليب ، نقل البيهقي في سننه عن أبي عبد اللّه الحاكم أنه قال : عاصم بن كليب لم يخرج حديثه الصحيح ، وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى ، وهذه اللفظة ، ثم لا يعود غير محفوظة في الخبر ، انتهى . والجواب : أما الأول : فقال الشيخ في الإمام : وعدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه ، وهو يدور على عاصم بن كليب ، وقد وثقه ابن معين ، كما قدمناه ، قال : وقول شيخنا أبي محمد المنذري ، وقال غيره : لم يسمع عبد الرحمن عن علقمة ، فغير قادح أيضاً ، فإنه عن رجل مجهول ، وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده ، ولا ذكره ابن أبي حاتم في مراسيله ، وإنما ذكره في كتاب الجرح والتعديل ، فقال : وعبد الرحمن بن الأسود ، أدخل على عائشة ، وهو صغير ، ولم يسمع منها ، وروي عن أبيه . وعلقمة ، ولم يقل : إنه مرسل ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقال : إنه مات سنة تسع وتسعين ، وكان سنه سن إبراهيم النخعي ، فإذا كان سنه سن النخعي ، فما المانع من سماعه عن علقمة ، مع الاتفاق على سماع النخعي منه ؟ ! ومع هذا كله ، فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب المتفق والمفترق في ترجمة عبد الرحمن هذا ، أنه سمع أباه . وعلقمة ، انتهى . وقال ابن القطان في كتابه الوَهم والإِيهام : ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال : حديث وكيع لا يصح ، والذي عندي أنه صحيح ، وإنما النكر فيه على وكيع زيادة : ثم لا يعود ، وقالوا : إنه كان يقولها من قِبَل نفسه ، وتارة لم يقلها ، وتارة أتبعها الحديث ، كأنها من كلام ابن مسعود ، وكذلك قال الدارقطني : إنه حديث صحيح ، إلا هذه اللفظة ، وكذلك قال أحمد بن حنبل . وغيره ، وقد اعتنى الإمام محمد بن نصر المروزي بتضعيف هذه اللفظة في كتاب رفع اليدين ، انتهى كلامه . قلت : قد تابع وكيعاً على هذه اللفظة عبد اللّه بن المبارك ، كما رواه النسائي ، وقد قدمناه ، وأيضاً ، فغير ابن القطان ينسب الوَهم فيها لسفيان الثوري لا لوكيع ، قال البخاري في كتابه في رفع اليدين : ويروي عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب ، فذكره بسنده ومتنه ، قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم : نظرت في كتاب عبد اللّه بن إدريس عن عاصم بن كليب ، فلم أجد فيه : ثم لم يعد ، قال البخاري : وهذا أصح ، لأن الكتاب أثبت عند أهل العلم ، انتهى . فجعل الوهم فيه من سفيان ، لأن ابن إدريس خالفه ، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قام فكبر ، فرفع يديه ، ثم لم يعد ، فقال أبي : هذا خطأ ، يقال : وهم فيه الثوري ، فقد رواه جماعة عن عاصم ، وقالوا كلهم : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم افتتح فرفع يديه ، ثم ركع ، فطبق ، وجعلهما بين ركبتيه ، ولم يقل أحد ما روى الثوري ، انتهى . فالبخاري . وأبو حاتم جعلا الوَهم فيه من سفيان . وابن القطان ، وغيره يجعلون الوَهم فيه من وكيع ، وهذا اختلاف يؤدي إلى طرح القولين ، والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات ، وأما الثاني : وهو تضعيف عاصم ، فقد قدمنا أنه من رجال الصحيح ، وأن ابن معين ، قال فيه : ثقة ، كما ذكره الشيخ في الإمام ، قال الشيخ : وقول الحاكم : إن حديثه لم يخرج في الصحيح ، فغير صحيح ، فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة عن علي في الهدى ، وحديثه عنه عن علي : نهاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن اجعل خاتمي في هذه . والتي يليها ، وغير ذلك ، وأيضاً فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل ، وقد أخرج هو في المستدرك عن جماعة لم يخرج لهم في الصحيح ، وقال : هو على شرط الشيخين ، وإن أراد بقوله : لم يخرج حديثه في الصحيح ، أي هذا الحديث ، فليس ذلك بعلة ، وإلا لفسد عليه مقصوده كله من كتابه المستدرك ، انتهى . طريق آخر للحديث
أخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي في سننهما . وابن عدي في الكامل عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه ، قال : صليت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأبي بكر . وعمر ، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة ، قال الدارقطني : تفرد به محمد بن جابر ، وكان ضعيفاً عن حماد عن إبراهيم ، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلاً عن عبد اللّه من فعله غير مرفوع ، وهو الصواب ، وقال البيهقي في سننه : وكذلك رواه حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلاً ، وهذه الرواية أخرجها البيهقي في الخلافيات بسنده عن إبراهيم أن ابن مسعود كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه أول مرة ، ثم لم يرفع بعد ذلك ، قال الحاكم : وهذا هو الصحيح ، وابراهيم لم ير ابن مسعود ، والحديث منقطع ، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث ، وأحسن ما قيل فيه : إنه يسرق الحديث من كل من يذاكره ، حتى كثرت المناكير والموضوعات في حديثه ، قال الشيخ : أما قوله : إنه كان يسرق الحديث من كل من يذاكره ، فالعلم بهذه الكلية متعذر ، وأما إن ذلك أحسن ما قيل فيه ، فأحسن منه قول ابن عدي : كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه ، وأوثق ، وقد روى عنه من الكبار : أيوب . وابن عون . وهشام بن حسان . والثوري . وشعبة . وابن عيينة . وغيرهم ، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم ، وقد خولف في أحاديث ، ومع ما تكلم فيه فهو ممن يكتب حديثه ، وممن تكلم فيه البخاري ، قال فيه : ليس بالقوي ، وقال ابن معين : ضعيف ، انتهى . ومن الناس القائلين بالرفع من سلك في حديث ابن مسعود هذا مسلك البحث والمناظرة ، فقال : يجوز أن يكون ابن مسعود نسي الرفع في غير التكبيرة الأولى ، كما نسي في التطبيق . وغيره ، واستبعد أصحابنا هذا من مثل ابن مسعود ، واحتجوا بحديث
أخرجه الدارقطني في سننه والطحاوي في شرح الآثار عن حصين بن عبد الرحمن ، قال : دخلنا على إبراهيم النخعي فحدثه عمرو بن مرة ، قال : صلينا في مسجد الحضرميين ، فحدثني علقمة بن وائل عن أبيه أنه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يرفع يديه حين يفتتح ، وإذا ركع ، وإذا سجد ، فقال إبراهيم : ما أرى أباه رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا ذلك اليوم الواحد ، فحفظ عنه ذلك ، وعبد اللّه بن مسعود لم يحفظه ، إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة ، انتهى . ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ، ولفظه : أحفظ وائل ، ونسي ابن مسعود ؟ ! ورواه الطحاوي في شرح الآثار ، وزاد فيه : فإن كان رآه مرة يرفع ، فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يرفع ، انتهى . ذكر هذا الكلام كله ابن الجوزي في التحقيق ، قال صاحب التنقيح : قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق ، هذه علة لا يساوي سماعها ، لأن رفع اليدين قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم عن الخلفاء الراشدين ، ثم عن الصحابة والتابعين ، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد ، وهي المعوذتان . ونسي ما اتفق العلماء على نسخه ، كالتطبيق ، ونسي كيف قيام الإِثنين خلف الإمام . ونسي ما لم يختلف العلماء فيه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر في وقتها ، ونسي كيفية جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم بعرفة . ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود ، ونسي كيف كان يقرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم : { وما خلق الذكر والأنثى } ، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة ، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين ، وقال البخاري في كتابه - في رفع اليدين : كلام إبراهيم هذا ظن منه ، لا يدفع به رواية وائل ، بل أخبر أنه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي ، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم ، كما بينه زائدة ، فقال : حدثنا عاصم ثنا أبي عن وائل بن حجر أنه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي ، فرفع يديه في الركوع ، وفي الرفع منه ، قال : ثم أتيتهم بعد ذلك ، فرأيت الناس في زمان بَرْدٍ ، عليهم جل الثياب ، تحرك أيديهم من تحت الثياب ، انتهى . وقال البيهقي في المعرفة : قال الشافعي : الأوْلى أن يؤخذ بقول وائل ، لأنه صحابي جليل ، فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه ، وخصوصاً ، وقد رواه معه عدد كثير ، انتهى . حديث آخر
أخرجه أبو داود عن شريك عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ، ثم لا يعود ، انتهى . قال أبو داود : رواه هشيم . وخالد . وابن إدريس عن يزيد ، لم يذكروا فيه : ثم لا يعود ، انتهى . قال الشيخ في الإمام : واعترض عليه بأمور : أحدها : إنكار هذه الزيادة على شريك ، وزعموا أن جماعة رووه عن يزيد ، فلم يذكروها ، قال الشيخ : وقد توبع شريك عليها ، كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل بن زكريا ثنا يزيد بن أبي زياد به ، نحوه وأنه كان تغير بآخره ، وصار يتلقن ، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة ، كما
أخرجه الدارقطني عن علي بن عاصم ثنا محمد بن أبي ليلى عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه ، فقلت : أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت : ثم لم يعد ، قال : لا أحفظ هذا ، ثم عاودته ، فقال : لا أحفظه ، وقال البيهقي : سمعت الحاكم أبا عبد اللّه يقول : يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ ، فلما كبر ساء حفظه ، فكان يقلب الأسانيد ، ويزيد في المتون ، ولا يميز ، وقال الحاكم ، ثم البيهقي عنه ، بسنده عن أحمد بن حنبل ، قال : هذا حديث واهٍ ، قد كان يزيد بن أبي زياد يحدث به برهة من دهره ، فلا يذكر فيه : ثم لا يعود ، فلما لقن أخذه ، فكان يذكره فيه قال الشيخ : ويزيد بن أبي زياد معدود في أهل الصدق ، كوفي ، يكنى أبا عبد اللّه ، ذكر أبو الحارث القروي ، قال أبو الحسن : يزيد بن أبي زياد ، جيد الحديث ، وذكر مسلم في مقدمة كتابه صنفًا ، فقال فيهم : إن الستر والصدق وتعاطي العلم يشتملهم ، كعطاء بن السائب . ويزيد بن أبي زياد . وليث بن أبي سليم . الأمر الثاني : المعارضة برواية إبراهيم بن بشار عن سفيان ثنا يزيد بن أبي زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، قال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، قال سفيان : فلما قدمت الكوفة سمعته يقول : يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يعود ، فظننتهم لقنوه ، رواه الحاكم ، ثم البيهقي عنه ، قال الحاكم : لا أعلم أحداً ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي ، وهو ثقة ، من الطبقة الأولى ، من أصحاب ابن عيينة ، جالس ابن عيينة نيفاً وأربعين سنة ، ورواه البخاري في كتابه في رفع اليدين حدثنا الحميدي ثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد بمثل لفظ الحاكم ، قال البخاري : وكذلك رواه الحفاظ ممن سمع يزيد قديماً : منهم شعبة . والثوري . وزهير ، وليس فيه : ثم لم يعد ، انتهى . وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء : يزيد بن أبي زياد كان صدوقاً ، إلا أنه لما كبر تغير ، فكان يلقن ، فيتلقن ، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح ، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة ليس بشيء ، انتهى . طريق آخر لحديث البراء ،
أخرجه أبو داود عن وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء ، قال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفع يديه حين افتتح الصلاة ، ثم لم يرفعهما حتى انصرف ، انتهى . قال أبو داود : هذا الحديث ليس بصحيح ، وكأنه ضعفه بمحمد بن أبي ليلى ، وذكره البخاري في كتابه - في رفع اليدين معلقاً ، لم يصل سنده به ، ثم قال : وإنما روى ابن أبي ليلى ، هذا من حفظه ، فأما من روى عن ابن أبي ليلى من كتابه ، فإنما حدث عنه عن يزيد بن أبي زياد ، فرجع الحديث إلى تلقين يزيد ، والمحفوظ ما روى عنه الثوري . وشعبة . وابن عيينة ، قديماً ، ليس فيه : ثم لم يرفع ، انتهى . وقال الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ : الوجه التاسع عشر : أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه ، فيرجح خبره على خبر من اضطرب لفظه ، لأنه يدل على ضبطه نحو حديث ابن عمر أنه عليه السلام كان يرفع يديه إذا كبر ، وإذا ركع ، وإذا رفع ، فإنه يروي عن ابن عمر من غير وجه ، ولم يختلف عليه فيه ، فهو أوْلى بالمصير من حديث البراء بن عازب : أنه عليه السلام كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يعود ، لأنه يعرف بيزيد بن أبي زياد ، وهو قد اضطرب فيه ، قال سفيان بن عيينة : كان يزيد بن أبي زياد يروي هذا الحديث ، ولا يقول فيه : ثم لا يعود ، ثم دخلت الكوفة فرأيته يرويه ، وقد زاد فيه : ثم لا يعود ، لقنوه ، فتلقن ، انتهى . قال البيهقي في المعرفة : ويدل على أنه تلقنها ، أن أصحابه القدماء لم يؤثروها عنه ، مثل سفيان الثوري . وشعبة . وهشيم . وزهير . وغيرهم ، وإنما أتى بها عنه من سمع منه بآخره ، وكان قد تغير واختلط ، وابن أبي زياد ضعفه ابن معين ، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عبد الرحمن عن البراء . ومحمد بن أبي ليلى أضعف عند أهل الحديث من ابن أبي زياد ، واختلف عليه في إسناده ، فقيل : هكذا ، وقيل : عنه عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى ، وقيل : عنه عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى ، فعاد الحديث إلى يزيد ، قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : كان أبي ينكر حديث الحكم ، وعيسى ، ويقول : إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد ، وابن أبي ليلى سيئ الحفظ . وابن أبي زياد ليس بالحافظ ، انتهى . حديث آخر ،