الخميس، ١٠ محرم ١٤٤٨ هـ

الماء من الماء .

روايات وأحاديث من كتاب كتاب الطهارات

الحديث السابع والعشرون : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم الماء من الماء . قلت :
رواه مسلم . وأبو داود من حديث أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الماء من الماء ، انتهى . ولفظ مسلم : إنما الماء من الماء
وأخرجه مسلم في قصة من حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه ، قال : خرجت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الإثنين إلى قباء ، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على باب عتبان فصرخ به ، فخرج يجرُّ إزاره ، فقال عليه السلام : أعجلنا الرجل فقال عتبان : يا رسول اللّه أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ، ولم يُمْنِ ماذا عليه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما الماء من الماء ، انتهى . وهذا السياق يدفع رواية من روى عن ابن عباس أن قوله عليه السلام : الماء من الماء إنما كان في الاحتلام ،
رواهما الترمذي في كتبه فقال : حدثنا علي بن حجر نا شريك عن أبي الجحاف عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : إنما الماء من الماء في الاحتلام ، انتهى . وأسند عن وكيع ، قال : لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك ، واسم أبي الجحاف داود بن أبي عوف قال الثوري : كان مرجئاً ، انتهى .
ورواه الطبراني في معجمه حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل ثنا محمد بن الصباح ثنا شريك عن أبي الجحاف عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : إنما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : الماء من الماء في الاحتلام انتهى . الكلام على نسخ هذا الحديث ، اعلم أن حديث الماء من الماء حديث منسوخ ، لأن مفهومه عدم الغسل من الإكسال ، بل ورد في الصحيحين صريحاً من حديث أبيّ بن كعب ، ومن حديث أبي سعيد ، أما حديث أبيّ بن كعب ،
فرواه البخاري . ومسلم من رواية أبي أيوب عنه ، قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الرجل يصيب من المرأة ، ثم يكسل ، فقال : يغسل ما أصابه من المرأة ، ثم يتوضأ ويصلي ، انتهى . وأما حديث أبي سعيد ،
فرواه البخاري . ومسلم أيضاً من رواية ذكوان عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرّ على رجل من الأنصار فأرسل إليه ، فخرج ورأسه يقطر ماءاً فقال : لعلنا أعجلناك ؟ فقال : نعم يا رسول اللّه ، فقال : إذا عجلت أو أقحطت فلا غسل عليك ، وعليك الوضوء انتهى . وهذه الأحاديث كلها منسوخة ، وللناس في الاستدلال على نسخها طريقان : أحدهما : بالأحاديث . والثاني : رجوع من روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم الحكم الأول . أما الأحاديث : فمنها ما ذكر فيها النسخ ، ومنها ما لم يذكر فيها ، فالتي لم يذكر فيها النسخ ، بل فيها الغسل فقط ، حديثان : أحدهما : من رواية أبي هريرة ، والآخر : من رواية أبي موسى ، فحديث أبي هريرة ،
رواه البخاري . ومسلم من حديث أبي رافع عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا جلس الرجل بين شعبها الأربع ، ثم جهدها فقد وجب الغسل . زاد مسلم في رواية : وإن لم ينزل ، انتهى . وأخرج مسلم قبل ذكره حديث أبي هريرة بهذا عن أبي العلاء بن الشخير رضي اللّه عنه ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضاً ، كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً ، انتهى . وحديث أبي موسى
رواه مسلم من حديث أبي بردة عنه ، قال : اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار ، فقال الأنصاريون : لا يجب الغسل إلا من الدفق ، أو من الماء ، وقال المهاجرون : بل إذا خالط فقد وجب الغسل ، فقال أبو موسى : أنا أشفيكم من ذلك ، فقمت واستأذنت على عائشة ، فأذن لي ، فقلت لها : يا أماه إني أريد أن أسألك عن شيء وأني أستحييك ، فقالت : لا تستح أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك ، فإنما أنا أمك ، قلت : فما يوجب الغسل ؟ قالت : على الخبير سقطت ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا جلس بين شعبها الأربع ، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ، انتهى . وأما الأحاديث التي صرح فيها بالنسخ ، فهي ثلاثة : أحدها : ما
أخرجه أبو داود . والترمذي وابن ماجه عن يونس عن الزهري عن سهل بن سعد عن أبيّ بن كعب ، قال : إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم نهي عنها ، انتهى . قال الشيخ تقي الدين في الإمام : وأعلّ هذا الحديث بأن فيه انقطاعاً بين الزهري . وسهل ، يدل عليه رواية ابن ماجه ، قال : قال سهل بن سعد الساعدي : فلم يذكر الإخبار ، وعند أبو داود ، وقال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث # عن ابن شهاب ، قال : حدثني بعض من أرضى : أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبيَّ بن كعب أخبره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذكره ، وهذا يقتضي أن الزهري لم يسمعه من سهل ، وقد جزم بذلك البيهقي ، فقال : وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من سهل إنما سمعه من بعض أصحابه عن سهل ، قال ابن خزيمة : وهذا الرجل الذي لم يسِّمه عمرو بن الحارث # يشبه أن يكون أبا حازم بن سلمة بن دينار ، لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسان محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن أبيّ بن كعب قال الشيخ : قلت : قد رواه بهذا السند أبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي جعفر الجمال عن مبشر بن إسماعيل بالسند المذكور . ولفظه : عن أبيّ بن كعب أن الفُتيا # التي كانوا يفتون : أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بدء الإسلام ، ثم أمر بالاغتسال بعد ، انتهى . وأخرجه البيهقي في سننه من طريق أبي داود ، وقال قبل إخراجه : وقد رويناه بإسناد آخر صحيح موصول عن سهل بن سعد ، ثم ذكره ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن أحاديث : الماء من الماء فقال : كلها منسوخة بحديث سهل بن سعد عن أبيّ بن كعب ، قال الشيخ : وقد وقع لي رواية عن محمد بن جعفر من جهة أبي موسى عنه عن معمر عن الزهري ، وفيها قال : أخبرني سهل بن سعد ، فعليك بالبحث عنها ، فإنها مخالفة لما ذكره عمرو بن الحارث # ، واللّه أعلم ، انتهى .